الحقيقي و العلم اليقيني الذي هو الكمال عندهم لما ينكشف لهم عند الوصول إلى هذه المرتبة و سقوط ساير القوى الجسمانيَّة المدركة و المعيَّنة على الإدراك من الفاعليَّة و التأثُّر ، لئلّا يختلط المدركات الحقيقيَّة الكليَّة بأحكام تلك القوى من العوارض الخارجيَّة الحاجزة و اللواحق المادية المانعة عن ادراك الحقائق ، و يبقى على صرافتها الإطلاقيَّة ، حتى يتمكّن القوى القدسيَّة و العاقلة للتوجه بالكليَّة نحو القدس ، و انخراطها في سلك الملإ الأعلى من الأرواح المجرَّدة و العقول المقرَّبة ، به تحصيل وجوه المناسبات من دوام ملاحظته المبدأ الحق و الاستخلاص عن وجوه ما به التمايز ، كما ذكر . و لا يخفى انه حينئذ بمعزل في تلك الحالة عن استعمال القوى الجسمانية ، و إذا كان الأمر على هذا الوجه ، فلا اعتبار عندهم به مثل هذه الإدراكات من الحسِّية و الخياليَّة و الوهميَّة و الكفريَّة ، بل هذه الإدراكات كلَّها يكون عندهم مانعاً - مانعة - لحصول ما هو الكمال الحقيقي لديهم .
و ايضاً ، اتفاقهم على ان الكمال الحقيقي لا يمكن تحصيله الا بقهر القوى الطبيعيَّة و تقوية القوى القدسيَّة و تبديل الأخلاق السيِّئة بالحسنة و ملازمة الأفعال الجميلة ، و يلزم منه ان يكون الإنسان الكامل هو المشارك للعقول المجرَّدة و الأرواح الكاملة في تمام الصفات ، فلا يمكن حينئذ ان يقال ، انه الكون الجامع ، إذ لا يوجد فيه على هذا التقدير ما هو مثل العفاريت و المردة ، و لا يماثل السباع و الوحوش و البهائم و الحشرات الموذية ما دام في هذه المرتبة . و من البيِّن ايضاً انّه لا يوجد فيه مطلقا في جميع مراتبه ما يماثل الأفلاك و الكواكب الغير القابلة للخرق و الالتيام المتحرِّكة على سبيل الاستمرار و الدوام ، مع عدم عروض الانقطاع ، لشهادة بديهة العقل بانّه ليس في الإنسان شيء كذلك .
قال : « ثمَّ ان من البيِّن ، ان الكمال الذي يقولون به ، كالأمر الممتنع ،
تمهيد القواعد ( فارسى ) — صفحة 206
مساهمون: صائن الدين علي بن محمد تركة
ص٢٠٦