العرفان ، و ظن ظنونا منها انه كان فى سره اين انا ، و ايش ما ارى ؟ هل يرون لموسى ما يرى موسى اوان موسى نام عن موسى و ما يرى او يرى و لا يعرف . و كاد ان يضمحل فى الحيرة ، اذ بان الكشف بالبديهة خارجا عن العادة فناداه الحق : اين انت يا موسى ! انى انا اليه . فاوقعه بطيب الخطاب من الفناء الى البقاء و من المعرفة الى الجمع حتى انس بالانس ثم بالقدس ، و بقى مع الحق بنعت العرفان فى محل العيان ، فأوائل الاحوال دسائم و وسائم ثم واسطة ثم حقيقة ، فارتفع الوسائط ، و بقى الحقائق .
فائدة اخرى قال اللّه تعالى
: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
( 53 / 10 و 11 ) الآية .
قال الشيخ فى معناه : ابهم اللّه سر ذلك الوحى الخفى على جميع فهوم الخلائق من العرش الى الثرى بقوله تعالى : « ما اوحى لانه ما عين اى شىء اوحى الى حبيبه لان بين المحب و المحبوب سر لا يطلع عليه غيرهما . و اظن : ان لو بين كلمة من تلك الاسرار لجميع الاولين و الآخرين ، لماتوا جميعا من ثقل ذلك الوارد الذى ورد من الحق على قلب عبده » .
احتمل ذلك المصطفى ، صلوات اللّه و سلامه عليه ، بقوة رحمانية ملكوتية لاهوتية البس اللّه اياه و لو لا ذلك لم يحتمل ذرة منها لانها انباء عجيبة و اسرار ازلية لو ظهرت كلمة منها ، لتعطلت الاحكام ، و لفنيت الارواح و الاجسام ، و اندرست الرسوم و اضمحلت العقول و الفهوم و العلوم .
هكذا رسم العلوم المجهولة التى تنبئ ، عن عين العشق بين العاشق و المعشوق . و ذلك سر فى سر و غيب فى غيب ، يسقط عند ذلك حكم العبودية ، لان ذلك محض الانبساط و ظهور الكشف الكلى و غلبات سيول الرحمة الازلية الواسعة التى تجرى من بحر القدس و انوار الانس . ربما نشق اللّه من نفحات رحمتها و وردها مشام المستنشقين نسايم الوصال و شمال الجمال . فيطيرون بوجدانها ، و يضحكون و يبكون و يرقصون و يصيحون من لذة ما وصل اليهم من عرفانها و يسترون تلك الاسرار عن الاغيار ، كما انشد :
لعمرى ما استودعت سرى و سره * سوانا حذارا ان يشيع السرائر