الحكماء يمنعون هذا ويقولون : الممكن بذاته لا يصير واجبا بذاته ، إذ لو استغنى عن المرجح صار واجب الوجود بذاته ، وهو محال ؛ بل ما دام موجودا محتاج إلى مرجّح ؛ بلى قد يكون الشيء له علة ثباته « 1 » غير علة حدوثه كالصنم مثلا فإنّ علة حدوثه فاعله ، وعلة ثباته يبوسة العنصر . وقد تكون علة الحدوث بعينه هي علة الثبات أيضا كالنيّر والشعاع الذي له . وجميع الممكنات علة وجودها « 2 » وثباتها « 3 » تنتهي إلى واجب الوجود بذاته « 4 » ودوامها بدوامه .
( 53 ) والشيء لا ينتسب إلى فاعله لعدمه السابق ، فإنّ العدم السابق ليس بفعل الفاعل ؛ بل لوجوده الممكن . وقدرة الفاعل على ما يجب به دائما أتمّ ممّا على ما يجب به وقتا ما . وإذا حصل الفاعل ولم يحصل الفعل فهو موقوف على شرط منتظر هو شريك الفاعل . فقال هؤلاء « 5 » : لا شريك لله في صنعه « 6 » ومن اشرك فقد كفر . وقد ورد في التنزيل :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
« 7 » أي لا مدخل في وجود الأشياء لغيره الحي القيوم وقيوميته لذاته فيكون دائما له فيدوم قيام الأشياء به ، وإلّا يكون قيوما في أوقات معدودة لا غير . والقيوم يتضمن المبالغة « 8 » للإشارة إلى قيامه وإقامته ودوامها . هذا واحد من المثنى ، والثاني قوله :
« شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
شهد شهادة « 9 » هي علمه بذاته ولوازم ذاته التي لا تزيد على ماهيته « 10 » ، وهو بعينه حياته .
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
، سلب معاون وجزء « 11 » به يتم سببيته .
« قائِماً بِالْقِسْطِ »
« 12 » ، دوام وجوده لكمال « 13 » قيوميته . ويشهد به مثنى آخر وهو قوله :
« وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا »
« 14 » لعدم تغيره في ذاته وما تقتضيه هويته . يثنيه « 15 » قوله :
« وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا »
« 16 » إذ لا
هامش
( 1 ) ثباته : ثبات صورتهM.
( 2 ) وجودها : حدوثهاM.
( 3 ) ثباتها : ثبوتهاM.
( 4 ) بذاته : -TA.
( 5 ) فقال هؤلاء : ( سبحانه وتعالى وتقدس عما يقول الجاهلون : مجموعهء سوم ص 145 س 15 - 16 ) .
( 6 ) لله في صنعه : له في صفةA.
( 7 ) سورة 2 ( البقرة ) آية 255 .
( 8 ) المبالغة : المقابلةA.
( 9 ) شهد شهادة : شهد الله لعينه شهادةM.
( 10 ) سورة 3 ( آل عمران ) آية 18 .
( 11 ) وجزء : -M.
( 12 ) سورة 3 ( آل عمران ) آية 18 .
( 13 ) لكمال : بكمالM.
( 14 ) سورهء 33 ( الأحزاب ) آية 62 .
( 15 ) يثنيه قوله : -M.
( 16 ) سورة 35 ( فاطر ) آية 43 .