فنعرف الحقّ الأوّل ولا نحيط به كما ورد « 1 » في التنزيل :
« وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً »
« 2 » يثنيه قوله :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
« 3 » فالحق محتجب بكمال نوريّته وشدة ظهوره .
قاعدة - [ في أنّ الحق الأول لم يزل فاعلا للأشياء وفي الحدوث الذاتي والتقدم والتأخر والعلية ]
( 48 ) إنّ قوما يرون أنّ الحق الأوّل لم يفعل الأشياء في الأزل ، ثم شرع ففعل . وحجّتهم أنّه لو دام الصنع مع الصانع لساواه « 4 » فلا يكون بينهما فرق .
حجة أخرى قالوا : لو كان العالم دائم الوجود لكان عدد أيّامه ولياليه وبالجملة حوادث العالم غير متناهية .
وقالوا : اليوم آخر « 5 » ما مضى ، فتناهى « 6 » به ، فانتهى .
( 49 ) وقوم آخرون وهم الفلاسفة مثل أرسطاطاليس - وهو إمام القوم - ومباحثو المشائين يرون أنّ الحقّ الأوّل لم يزل فاعلا للأشياء وأنّ وجوده دائم معه . واحتجّوا فقالوا :
قد بيّنا أنّ الممكن لا يحصل إلّا بالمرجّح . فإن كان المرجّح والسبب هو ذاته الأول ، وذاته مع أيّ عدد من الصفات يفرض وهو دائم ، فيدوم التّرجيح ؛ وإن كان هو حاصلا مع جميع ما يفرض صفة له ، ولم يحصل الفعل ، فهو موقوف على وقت أو شرط أو زوال مانع ممّا يتوقّف عليه الفعل ، وقبل جميع الممكنات لا وقت ولا شرط ، فإنّهما « 7 » من المخلوقات . وليس في العدم الصريح حال يكون فيه فعل شيء أولى به من حال آخر . ولا يتجدد له إرادة أو قدرة فيريد بعد ما لم يرد ، أو يقدر بعد ما لم يقدر . مع أن كل ما يتجدّد هو من جملة الممكنات ، ولا يتقدّم على جميع الممكنات إلّا هو ، وهو دائم ، فالمرجّح هو لا غير فيدوم به الترجيح ؛ وأفعالنا إنّما يتخلّف « 8 » عن وجودنا لتوقّفها على إرادة أو مادّة أو آلة أو وقت حتّى إذا حضرت
هامش
( 1 ) ورد : المثنىM.
( 2 ) سورة 20 ( طه ) آية 110 .
( 3 ) سورة 6 ( الانعام ) آية 103 .
( 4 ) لساواه : لسواهT، لمساواةA.
( 5 ) آخر : أحسنA.
( 6 ) فتناهى : فيتناهىAT.
( 7 ) فإنّهما : فإنّهاT.
( 8 ) يتخلف : يختلفT.