أمّا درجات التخلية فتفريق بين ذات العارف و بين جميع ما يشغله عن الحقّ بأعيانها ، فإنّ التّفريق هو التّفضيل بين شيئين لا ترجيح لأحدهما على الآخر ، ثم نفض لآثار تلك الشّواغل كالميل و الالتفات إليها عن ذاته تكميلا لها بالتجرّد عمّا سوى الحقّ و الاتّصال به ، فإنّ النفض هو تحريك شيء لينفصل عنه أشياء مستحقرة بالقياس إليه كالغبار عن الثّوب . ثمّ ترك لطلب الكمال لأجل ذاته ، فإنّ التّرك تخلية و انقطاع عن الشيء ، ثم رفض لذاته بالكليّة ، فإنّ الرّفض ترك مع اهمال و عدم مبالات .
و أمّا درجات التحلية فبيانها على الإجمال : أنّ العارف إذا انقطع عن نفسه و اتّصل بالحقّ راى كلّ قدرة مستغرقة في قدرته المتعلّقة بجميع المقدورات و كلّ علم مستغرقا في علمه الّذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات و كلّ إرادة مستغرقة في إرادته الّتي يمتنع أن يمتنع عنها شيء من الممكنات ، بل راى كل وجود و كلّ كمال وجود صادرا عنه فأيضا من لدنه . و صار الحق حينئذ بصره الّذي به يبصر و سمعه الّذي به يسمع و قدرته الّتي بها يفعل و علمه الّذي به يعلم و وجوده الّذي به يوجد . فصار العارف حينئذ متخلّقا بأخلاق اللّه بالحقيقة .
فهذا معنى إمعان العرفان في جمع صفات الحقّ للذّات المريده بالصّدق . ثمّ إنّه يعاين كون هذه الصّفات و ما يجري مجراها ، مع كونها متكثّرة بالقياس إلى الكثرة ، متّحدة بالقياس إلى مبدئها الواحد ، فإن علمه الذّاتي هو بعينه قدرته الذّاتية و هي بعينها إرادته و كذلك سايرها ؛ و إذ لا وجود ذاتيّا لغيره ، فلا صفات مغايرة للذّات ، و لا ذات موضوعة للصّفات ، بل الكلّ شيء واحد .
كما قال اللّه تعالى :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
فهو هو ، لا شيء غيره .
و هذا معنى قول الشّيخ : « منته إلى الواحد و هناك لا يبقى واصف و لا موصوف و لا عارف و لا معروف و هو مقام الوقوف « 1 » .
و پوشيده نماند كه اين كلام
هامش
( 1 ) شرحى الاشارات ج 2 ، 121 - 120 .