و التحقيق في ذلك أنّ كمال الآدمي في المشابهة بالملائكة و هم منفكّون عن هذه الأوصاف المتضادّة ، و ليس في إمكان الإنسان الانفكاك عنها بالكليّة ، فكلّفه اللّه ما يشبه الانفكاك و هو الوسط فإنّ الفاتر ، لا حارّ و لا بارد و العودي لا أبيض و لا أسود ، فالبخل و التبذير من صفات الإنسان و المقتصد السّخيّ ، كأنّه لا بخيل و لا مبذّر ، فالصّراط المستقيم هو الوسط الحقّ بين الطرفين ؛ الّذي لا ميل له إلى أحد الجانبين ، و هو أدقّ من الشّعر ، و الّذي يطلب غاية البعد من الطّرفين يكون على وسط ؛ و لو فرضنا حلقة حديد محاطة بالنّار ؛ وقعت فيها نملة و هي تهرب بطبعها عن الحرارة ، فلا تهرب إلّا إلى المركز ، لأنّه الوسط الّذي هو غاية البعد من المحيط المحرق ، و تلك النّقطة لا عرض لها ، فإذن الصّراط المستقيم لا عرض له ، و هو أدقّ من الشّعر و لذلك خرج من القوّة البشريّة الوقوف عليه ، فلا جرم يرد أمثالنا النّار به قدر ميله عنه ؛ كما قال اللّه تعالى :
وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
« 1 » و قال :
وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ
« 2 » فإنّ العدل بين المرأتين في المحبّة ، و الوقوف على درجة متوسّطة لا ميل فيه إلى إحداهما كيف يدخل تحت الإمكان فمن استقام في هذا العالم على الصّراط المستقيم الّذي حكى اللّه تعالى حقيقته على النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم
وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
« 3 » مرّ على صراط الآخرة من غير ميل ، و جاء في الحديث « يمرّ المؤمن على الصّراط كالبرق الخاطف » « 4 » .
هامش
( 1 ) مريم : 19 / 71 .
( 2 ) النساء : 4 / 129 .
( 3 ) الأنعام : 6 / 153 .
( 4 ) المضنون : 1 / 25 .