أشدّ تأثيرا من البعض ففي قدرة اللّه أن يجري سببا يعرف الخلق في لحظة واحدة مقادير الأعمال بالإضافة إلى تأثيراتها بالتّقريب و الأبعاد ، فحدّ الميزان ما يعرف به الزيادة من النقصان ؛ ثمّ ذكر التّحقيق المذكور في الميزان ثمّ قال و الحساب جمع متفرّقات المقادير و تعريف مبلغها و ما من إنسان إلّا و له أعمال متفرقة نافعة و ضارّة مقرّبة و مبعدة ، لا يعرف حد كنهها و قد لا يحضره آحاد متفرقاتها ؛ فإذا احضرت المتفرّقات و جمعت كان حسابا فان في قدرة اللّه تعالى أن ينكشف في لحظة واحدة للعالمين متفرّقات أعمالهم ، و مبلغ آثارها ؛ فهو أسرع الحاسبين قطعا . و سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - « كيف يحاسب اللّه الخلق في لحظة واحدة من غير تشويش و لا غلط ؟ فقال : كما يرزقهم اللّه مع سائر أنواع الحيوانات بلا تشويش و لا غلط » « 1 » .
و أمّا الصّراط فقد قال أيضا في المضنون « 2 » الصّراط عبارة : عمّا لا مناسبة بين دقّته و دقّة الشّعر و حدّته وحدة السيف ، فهو في الدّقّة كالخطّ الهندسي .
و الصّراط المستقيم عبارة عن الوسط الحقيقي بين الأخلاق المضادّة ؛ و لهذا أمرنا اللّه بالدّعاء له في سورة الفاتحة ، حيث قال :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
« 3 » و قال : في حقّ المصطفى صلى اللّه عليه و آله و سلم
إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
« 4 » . مثال ذلك السّخاوة بين التّبذير و الإسراف و البخل ، و الشجاعة بين التّهوّر و الجبن ، و التّواضع بين التّكبر و الدّناءة و العفّة بين الشّهوة و الخمود .
فلهذه الأخلاق طرف إفراط « 5 » و تفريط ، و هما مذمومان و الوسط ليس من الإفراط و لا من التفريط فهو في غاية البعد من كلّ طرف ، فلذلك قال النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم : « خير الأمور أوسطها » و مثال ذلك الوسط الخطّ الهندسي بين الظّل و الشمس لا من الظل و لا من الشّمس .
هامش
( 1 ) المضنون : 1 / 24 .
( 2 ) ب : انّ .
( 3 ) فاتحة الكتاب 1 / 6 .
( 4 ) القلم : 68 / 4 .
( 5 ) ب ، ج : طرف .