بعد المفارقة . و تأثير النفس في البدن ، تأثير فعل و تسخير ، و لا برهان على استحاله هذا التّسخير و صيرورة هذا البدن مرة اخرى مستعدة لقبول تأثيرها ، و تسخيرها و بقي هاهنا تعجب من ضعفاء العقول ، و هو أنّ ذلك الاستعداد الإنشائي يحصل قليلا قليلا بالتّدريج ، من نطفة في قرار مكين ، ثمّ من علقة إلى تمام الخلقة ؛ و إذا لم يكن كذلك لا يقبل الاستعداد لقبول التسخير ؛ و دفع هذا العجب أنّا قد بيّنا أنّ ما هو ممكن بالتّدريج حدوثه ممكن حدوثه « 1 » دفعتا ، و التوالد إنّما يكون بالتّدريج .
و أما التولّد فلا يكون بالتّدريج المحسوس أ لا ترى أنّ الفار الّذي يتوالد يكون بالتّدريج و به اجتماع الذّكر منه و الأنثى و بعد حمل و سفاد « 2 » . و اما التولّدى منه يكون دفعة ؛ فإنّه لم يوجد قطّ مدر ، و لا تراب بعضه فار و بعضه بالقوة قريب إلى حجم الفار ، و كذا الذباب الذي يتولّد في الصيف من العفونات ؛ يكون دفعه ، و لم توجد عفونة تغيّرت عن حالتها و صارت بالقوّة قريبة إلى الذّباب ؛ بل تستحيل ذبابا من غير مهلة و تدريج و النّشأة الثّانية تولدية من تلك الأجزاء الّتي كانت في الأصل ؛ و إن تفرقت و انخلعت بعضها صورها فيرد اللّه واهب الصور تلك الصّور ، إلى موادّها ، و يحصل المزاج الخاصّ مرّة اخرى ، و لها نفس حدثت عند حدوث ذلك المزاج ابتداء فيعود بالتسخير و التّصرّف إليها مع العلاقة التي كانت بينهما « 3 » .
و أمّا الحساب فقد قال أيضا في المضنون تعلّق النّفس بالجسد الدّنيوي ، فإنّه المحتاج إلى التّدبير الشّاغل حجاب لها ، عن حقائق الأمور ، و بالموت ينكشف الغطاء ، كما قال تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ
و ممّا ينكشف لها تأثير أعمالها فيما يقرّبها إلى اللّه و يبعدها عنه ، و مقادير تلك الآثار و إنّ بعضها
هامش
( 1 ) ج : « ممكن حدوثه » ندارد .
( 2 ) ج : سعاد .
( 3 ) المضنون : 1 / 22 ( فى ضمن مجموعة ) .