فأقرّت بالزّندقة و قراءتها و تابت ، و قالت : هذا شيء علّمنيه أبي ، فقبل الرّشيد توبتها و ردّها الى أهلها .
و قال محمّد بن داود بن الجرّاح فى أخبار مطيع بن إياس انّه كان يرمى بالزّندقة و روي أنّه لمّا حضرته الوفاة أحاط به أهل بيته ، فأقبلوا يقولون له : قل يا مطيع : لا إله الّا اللّه ، فلا يقول حتّى اذا صارت نفسه فى ثغرته كرّيتنفّس ، ثمّ أهوى الى الكلام ، فقالوا له : قل : لا إله الّا اللّه ، فتكلّم كلاما ضعيفا فتسمّعوا له فاذا هو يقول :
لهف نفسي على الزّمان و فى أيّ * زمان دهتنى الأزمان
حين جاء الرّبيع استقبل الصّيف * و طاب الطّلاء و الرّيحان
قال المرزبانىّ : و هذا الحديث يرويه الهيثم بن عديّ ليحيى بن زياد .
فاما يحيى بن زياد الحارثى فهو يحيى بن زياد بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عبد المدان ابن الديان الحارثيّ الكوفي . و زياد بن عبيد اللّه هو خال أبي العبّاس السّفّاح ، و يكنّى يحيى أبا الفضل ، و كان يعرف بالزّنديق ، و كانوا اذا وصفوا إنسانا بالظّرف قالوا : هو أظرف من الزّنديق يعنون يعنون يحيى لأنّه كان ظريفا ، و هذا المعنى قصد أبو نواس بقوله :
تيه مغن و ظرف زنديق
قال الصّوليّ : و إنّما قال ذلك لأنّ الزّنديق لا يرع عن شيء و لا يمتنع ممّن يدعى اليه ، فنسبه إلى الظّرف لمساعدته على كلّ شيء ، و قلّة خلافه . و روي أنّه قيل ليحيى بن زياد - و هو يجود بنفسه - قل : لا إله الّا اللّه ، فقال : « لم يبق الّا الغبط و الجلاجل » ثمّ اغمي عليه ، فلمّا أفاق أعيد عليه القول فقال : و بازل تغلي به المراجل ، و روى محمّد بن يزيد قال : قال مطيع بن إياس يرثي يحيى بن زياد - و كانا جميعا مرميّين بالخروج عن الملّة :
يا أهل بكّوا القلبي القرح * و للّه موع الهوامل السّفح
راحوا بيحيى الى مغيّبه * فى القبر بين التراب و الصّفح
راحوا بيحيى و لو تساعدنى ال * أقدار لم يبتكر و لم يرح
يا خير من يحسن البكاء له ال * يوم و من كان أمس للمدح