و هو زوال الدّرهم عن ملكى .
فيقال له لكنّ فى مقابلته خير كثير ، و هو حصول الدينار فى ملكك ، و كذلك الانسان لو ترك الحركه الكثيرة لما فيها من الشفقة مع علمه بانّها يحصل له راحة مستمرة ينسب الى مخالفة الحكمة . فاذا نظر الى [ 119 ] الحكمة لكان وقوع الخير الكثير المشوب بالشرّ القليل من اللطف . فخلق العالم الّذى يقع فيه الشرّ ، و الى هذا اشار بقوله .
« إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ »
« 1 » . فقال اللّه تعالى فى جوابهم :
« إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ »
« 2 » . اى اعلم ان هذا قسم يناسب الحكمة لانّ الخير فيه كثير ، ثم بين لهم خيره بالتّعليم كما قال :
« وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها »
« 3 » . يعنى ايّها الملائكة خلق الشرّ المحض و الشرّ الغالب و الشرّ المساوى لا يناسب الحكمة .
و امّا خلق الخير الكثير المشوب بالشرّ القليل يناسب فقوله
« أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
اشارة الى الشرّ و اجابهم اللّه تعالى بما فيه الخير بقوله :
« وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
.
فان قال قايل فاللّه قادر على تخليص هذا القسم من الشّر بحيث لا يوجد فيه شرّ . فيقال له ما قال اللّه تعالى :
« وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها »
« 4 » . يعنى لو شئنا لخلصنا الخير من الشرّ ، لكن حينئذ لا يكون اللّه تعالى خلق الخير الكثير المشوب بالشرّ القليل فهو قسم معقول . فهل كان تركه للشرّ القليل و هو لا يناسب الحكمة لان ترك الخير الكثير الشّر القليل غير مناسب للحكمة . و ان كان لا كذلك فلا مانع من خلقه فيخلقه لمّا فيه من الخير الكثير .
و هذا الكلام يعبّر عنه من يقول برعاية المصالح انّ الخير فى القضاء و الشرّ فى القدر ، فاللّه قضى بالخير و وقع الشّر فى القدر يفعله المنزّه عن القبح و الجهل .
و قوله :
« مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ »
« 5 » ، لانّ تعالى قال لابليس لأملانّ جهنّم منك و ممّن تبعك و هذا اشارة الى انّ النّاس لمن فى العالم السفلى ، و الّذين فى العالم العلوى مبرءون عن دخول النّار و هم الملائكة و هذا يقتضى ان لا يكون ابليس من الملائكة و هو الصحيح و
هامش
( 1 ) - البقرة ( 2 ) : 30
( 2 ) - ايضا : 30
( 3 ) - ايضا : 31
( 4 ) - السجدة ( 32 ) : 13
( 5 ) - ايضا