تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
هذه التجربة ، تكمن في أنّ هذا العلم في تجربته التاريخيّة وإلى اليوم ، ما زال يعتمد على الحالة النفسيّة بدرجة عالية ، بمعنى أنّ حُسن الظنّ بالعلماء السابقين ما زال هو الحَكَم ، كما لا تزال الحالة الغالبة هي تقليد اجتهاداتهم أو اتّباعهم في الرواة . والأمر الأكثر إثارةً بالنسبة إلينا ، هو أنّ بعض كبرى المدارس في هذا العلم ، أرادت تحويله من طبيعته التاريخيّة القائمة على التتبّع ومراكمة الاحتمالات في شأن الراوي ، إلى طبيعة أقرب ما تكون إلى الطبيعة الشرعيّة الدينيّة ، وهي تشييد هذا العلم على قانون حجيّة خبر الثقة بالمعنى الأصولي للكلمة ، وهذه هي قمّة الاتّباع لنصوص السابقين في أمر الرواة ! والتي نافحت عنها مؤخّراً وفرضت نوعاً من السيادة الزائدة لها مدرسةُ السيد الخوئي ( 1413 ه - ) . إنّ هذه الذهنيّة التي تجرّد تجربة العلماء السابقين من الحيثيّة الاجتهاديّة لتحويلهم إلى مجرّد نَقَلَة للواقع ، أعتقد بأنّها بالغت في الابتعاد بهذا العلم عن واقعه الطبيعي ، ولهذا كان توجّه البروجردي والفاني والمامقاني أقرب - في بُعده النظري على الأقلّ - إلى طبيعة هذا العلم وهويّته ، بحيث نقوم بأنفسنا بدراسة حال الراوي مستخدمين الإفادات التاريخيّة للعلماء السابقين بوصفها واحدةً من روافد معرفتنا بالرواة ، لا بوصفها الحَكَم الذي يجب علينا اتّباعه ، ومن ثمّ يلزمنا النظر فيما بأيدينا من مرويّات هؤلاء الرواة ، وجمع القرائن والمعطيات للوصول إلى نتيجة يقينيّة أو احتماليّة تترك أثراً على تقويمنا النهائي لمرويّات هذا الراوي في قوّتها الاحتماليّة . الأمر الآخر الذي رأيناه في هذه التجربة ، ولعلّنا نكون مخطئين ، هو أنّ أغلب الطرق التي اعتمدها العلماء لتوثيق الرواة لم يثبت عندي أنّها صحيحة ، حتى بوصفها أمارةً أو قرينة فضلًا عن أن تكون دليلًا ، خاصّةً التوثيقات العامة ، التي تمّت المبالغة في التركيز عليها ، لا سيما عند الشيعة في العصر الإخباري منذ حوالي أربعة قرون إلى اليوم . لقد رأينا أنّ هناك محاولة للملمة كلماتٍ هنا وهناك بقصد إعطائها قوّة الشهادة الدالّة على التوثيق والقادرة دفعةً واحدة على توثيق عددٍ هائل من الرواة ، وإذا بك مع نصٍّ واحد