عدداً لا يفيدهما السكينة مع علمهما بالاختلاف في التشخيص الطبّي للطبيبين .
إذا حلّلنا طريقة العقلاء ، فهم لا يشترطون تحصيل العلم بصحّة ما يقوله الخبير على حدّ تحصيل الخبير نفسه لهذا العلم ، لكنّهم يرون كلامه موجباً للوثوق والاطمئنان مع احتماله الخطأ من حيث المبدأ ، دون أن يكلّفوا أنفسهم سؤال أكثر من خبير ، أو ينقدح كثيراً في ذهنهم احتمال مخالفة غيره له ، أو خطئه ، ومع هذا كلّه فما يدفعهم غالباً للطبيب هو عدم قدرتهم على تشخيص الأمر ، فالاطمئنان الذي يمنحهم إيّاه الطبيب هو اطمئنانٌ ناتج عن سدّ باب تشخيص الأمر أمامهم ، وانحصار طريق الوثوق بالرجوع للخبير ، وعلى هذا تقوم حياة العقلاء في باب الإخبارات أيضاً كما شرحناه مفصّلًا في أبحاثنا في حجية السنّة وأخبار الآحاد في علم الأصول ؛ حيث قلنا هناك بأنّ العقلاء لا يعتنون بما سمّيناه بالشكوك الافتراضية النابعة عن فرض احتمال العكس فرضاً إمكانياً منطقيّاً ، وإنّما الشك عندهم هو حالة التردّد كتلك الناتجة عن معطيات تفيد حصول الشك .
وبهذا ظهر أنّ حجية قول أهل الخبرة مقتصرة على حالة حصول الوثوق والاطمئنان ، وعدم حصول التوتّر من اختلاف الأقوال أو حصول الخطأ في التشخيص ، فإذا بني على أنّ مدرك الحجية هو سيرة العقلاء ، فلا يُستند هنا مستقلًا إلى قول أهل الخبرة بصرف النظر عن حصول الوثوق والاطمئنان .
وهذا الذي قلناه مغايرٌ للقول بحجية الظنّ الآتي من قول الخبير على الانسداد ، أمّا على هذا القول فإنّه ترجع نظريّة حجيّة قول أهل الخبرة هنا إلى نظريّة الانسداد ، والتي ناقشناها آنفاً . وجوهر الفرق أنّ إرجاع نظريّة حجية قول أهل الخبرة للظنّ على الانسداد تقرّ بالانسداد من جهة ، ولا تعترف بأنّ قول الخبير بحاجة لتحصيل العلم حتى يكون حجّة ، بينما ما توصّلنا إليه هنا هو أنّ البشر حيث ينسدّ عندهم مجال أن يتخصّص كلّ واحد منهم بجميع الاختصاصات التي يحتاجها في حياته ؛ فإنّهم يلجؤون لبعضهم بعضاً فيما لم يتخصّصوا فيه ؛ لأنّ ذلك يوجب تحصيل الوثوق لهم ، وإلا فإذا لم يحصل لهم الاطمئنان وسكون النفس نتيجة عملية الرجوع هذه ، فهم لا يعملون بقول الخبير ، بل يلتمسون
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 97
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩٧