ب - أو نقول بانفتاح باب العلم في الرجال وأحوال الرواة ، وفي هذه الحال فإنّ تقليد الأموات نقضٌ لدليل وجوب الاجتهاد الكفائي ، لو ثبت هذا الدليل بهذا العرض العريض ، ومن ثمّ لا معنى لجريان نظرية حجيّة قول أهل الخبرة في باب الرجال اليوم .
هذا في الفقيه الخبير نفسه ، أمّا العامي فإذا حصل له علم بهذه المقدّمات المشكوكة لهذا الفقيه ، ولو بسبب كون هذا العامي خبيراً في علم الكلام مثلًا أو الأصول أو الرجال ، أمكنه تقليد هذا الفقيه والرجوع إليه في نتائجه المترتّبة على هذه المقدّمات التي يعلم بها العامي ؛ لأنّ المفروض أنّ ما يجهل به هو يعلمه الفقيه ، وإذا كان الفقيه لا يعلم ما يعلم به هو فهو لا يضرّه . أمّا لو لم يكن له علمٌ بها ، فيمكنه تقليد هذا الفقيه وتقليد من رجع الفقيه إليه معاً ، ما لم يلزم محذور ، وهو كون من رجع إليه الفقيه ميتاً ، وقلنا بعدم جواز الرجوع إلى الميّت بدليل يشمل المقام .
الحالة الثالثة : أن يكون هذا الخبير عالماً بالفقه وبجميع المقدّمات التي تقوم عليها العمليّة الفقهيّة ، لكنّ علمه ببعض المقدّمات ليس استدلاليّاً ، وإنّما هو لاطمئنانه بالعلوم الأخرى ونتائجها ، أو لحصول اليقين العفوي له ، كما في أيّ مسلم يؤمن بنبوّة النبي محمد ، فهو مع علمه بالنبوة والإمامة والمعاد لا يقال عنه : إنّه متخصّص في علم الكلام ، بالمعنى الذي يستبطن الخبرويّة .
وفي هذه الحال يصحّ أن نقول بأنّ هذا الشخص لديه علمٌ بالنتيجة ، وأنّ خبرويّته ساهمت في علمه هذا ، فتقليده لنفسه جائز قطعاً ؛ كما أنّ الرجوع إليه رجوع إلى شخص عالم بالنتيجة التي يحكم بها ، لكنّ علمه ليس استدلاليّاً في كلّ مراحله ، فلا يصدق عليه أنّه خبير بهذه النتيجة تماماً ، ومن ثمّ فالمفترض التمييز بين رجوعه لنفسه فيجوز ورجوع غيره له فلا يجوز .
وهنا قد يُدّعى قيام السيرة العقلائيّة على الأخذ بما يقوله ؛ لأنّ غالب أهل الاختصاص حالهم كذلك ، غاية ما في الأمر أنّ تفكيك هذه الحال يرجع إمّا إلى علم الجاهل - استدلاليّاً كان أو غيره - بتلك المقدمات التي يعلم بها العالم لا عن استدلال ، أو إلى تقليد هذا الجاهل
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 91
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩١