يمكن تصوّرها من خلال فهمين :
الفهم الأوّل : أن يراد بالخبرويّة فنّ إدارة العمليّة البحثيّة واستخدام القواعد والمناهج المقرّرة في هذا العلم أو ذاك ، بصرف النظر عن تحصيل الخبير العلم بالنتيجة ، ومثال ذلك أن يتخصّص باحثٌ غير مسلم بالدراسات الفقهية الشرعيّة ويبلغ مرتبةً عالية من المهارة في استخدام طريقة الفقهاء في البحث الفقهي والأصولي وما يتصل بهما ، بحيث لو ألّف كتاباً في الفقه لم يَرْتَب المجتهدون في أعلميّته على فقهاء عصره ، لكنّه في الوقت عينه لا يؤمن بالنبيّ ولا بأهل البيت ولا بالصحابة ، ففي هذه الحال لا شكّ في خبرويّته الفنيّة في علم الفقه ، لكنّه لا يصدق عليه أنّه عالمٌ بالنتيجة ، ومرادنا من النتيجة هو أن يقول : إنّ الله حرّم كذا وكذا ؛ والسبب هو أنّه غير مقتنع بالرسالة المحمديّة أساساً . وهذا ما نسمّيه الخبروية التي لا تجامع العلم بالنتيجة .
ومثل هذا يمكن حصوله في علوم متعدّدة ، فقد لا يكون الفقيه مجتهداً في علم الرجال ولا في الأصول ، لكنّه قادر على استخراج النتائج الفقهية وفقاً لكافّة المباني الأصوليّة والرجاليّة وببراعة عالية تفوق قدرة الفقهاء الآخرين المختصّين بمجموعة هذه العلوم .
ولا شكّ في وجود هذا النوع من الخبراء ، إلا أنّه قد يقال بأنّهم ليسوا المنظورين هنا ؛ لأنّه لا يوجد عندنا سيرة عقلائيّة مستقلّة اسمها رجوع غير الخبير للخبير ، إنّما هذا التعبير استقاه الفقهاء من السيرة القائمة في الحقيقة على رجوع الجاهل إلى العالم ، فنكتة السيرة هي رجوع الجاهل بشيء من حيث هو جاهل بهذا الشيء إلى العالم بهذا الشيء من حيث هو عالم به ، وذلك بهدف ترتيب الأثر على ذلك الشيء المرجوع فيه ، فما لم يفرض الخبير عالماً وعلى يقين بما نرجع إليه فيه فلا مورد للسيرة ، وفي مقامنا نحن نرجع إلى هذا الخبير لمعرفة حكم الله ، فإذا لم يكن هو مقتنعاً أساساً بالنبوّة المحمديّة ولم تثبت عنده ، فهو في هذه الحال لا علم له بحكم الله سبحانه حتى نأخذ حكم الله منه .
نعم ، يمكن تتميم هذا النقص من خلال ضمّ علمنا إلى علمه ، عبر القول بأنّنا نحن نعلم بالنبوّة ونؤمن بها ، ولسنا بحاجة إلى قانون رجوع الجاهل إلى العالم فيها ؛ لفرض عدم
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 88
مساهمون: حيدر حب الله
ص٨٨