والنظريّات الرجالية ؛ فمبنى تفسير القمي مختلف فيه ؛ وكذلك نظريّات : أصحاب الإجماع ، ومشايخ الثلاثة ؛ وشيخوخة الإجازة ، والترضّي والترحّم ، وأسانيد كامل الزيارة ، ومراسيل الصدوق ، وغيرها الكثير الكثير ، إلى جانب التعارض بين شهادات القدماء أنفسهم - في الجملة - وهكذا . . فأمام هذا الوضع واختلاف قولهم بعدد الأحاديث الحجّة بين من يصحّح عشرة في المائة من الأحاديث ، ومن يصحّح تسعين في المائة . . ذلك كلّه يجعل الاعتماد اليوم لفقيهٍ لا يريد أن يجتهد في علم الرجال . . على كلمات الرجاليّين محلّ إشكال ؛ إذ في مثل هذا القدر من اختلاف أهل الخبرة وتعارض نتائجهم وتحليلاتهم يصعب إجراء العقلاء لقانون حجيّة قول أحدهم على نحو التخيير ، بل حتى ترجيح بعضهم على بعض بملاك الأعلميّة يحتاج لنظر وتدقيق وكلام ، وليس أمراً سهلًا أبداً ، وهنا يلزمه لبراءة ذمّته في العمل باجتهاده أن يقدّم تبريراً لاختياراته التي انتخبها من بين مجموعة الآراء الرجاليّة المختلفة .
نعم ، يمكن تقليدهم في ما صار من أصول علمهم المتفق عليها بينهم ، كوثاقة المحمّدين الثلاثة القدماء مثلًا وهكذا . .
من هنا ، احتاج الفقيه ، لا لكي يتّصف بكونه فقيهاً ، بل ليتمكّن من إثبات النصوص حيث لا يمكنه - مع هذا الاختلاف - التقليد . . احتاج الفقيه أن يكون له نظر في علم السند مع الإمكان ، وإلا اختار إحدى المدارس في علمي الرجال والحديث ، وبنى عليها ، ما لم تخالف أصلًا يُحرز معه خطأها ، كان قرّره هو بنفسه في علم الفقه وأصوله .
قد تقول : لماذا إذاً يتقوّم عنوان « الفقاهة » بعلم الأصول ، ولا يتقوّم بعلم الرجال والحديث ؟
والجواب : إنّ علم الأصول هو العلم الذي يحدّد منهج عمل الفقيه في تعاطيه الفقهي ؛ فماذا يفعل مع المطلق والمقيد ؟ وماذا يفعل مع التعارض ؟ وهكذا ، وكلّ ما يتصل بطريقة عمله المباشرة مع الفقه والنصوص ، يفترض أن يكون له نظر فيه ؛ لأنّ علم الأصول هو علم منهج الاجتهاد الفقهي . . نعم لا يمنع أن تكون بعض مسائل علم أصول الفقه أيضاً
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 86
مساهمون: حيدر حب الله
ص٨٦