أصقاع الأرض كانوا مجتهدين في تمام المقدّمات التي تتصل بالموضوعات التي يبحثونها ، ولهم نظر واجتهاد فيها . . هذه الدعوى في غاية البُعد ، فهل كانوا مجتهدين في العلوم المنطقية والفلسفية واللغوية و . . ؟ وهل كان الطبيب مجتهداً في إثبات وجود الجسم الطبيعي في الخارج ، وهي مسألة فلسفيّة بحتة ؟ !
الذي يبدو لي أنّه حصل خلط هنا بين يقينهم بمقدّمات علومهم وبحوثهم ولو كان يقيناً ناتجاً عن تراكم عفوي أو عدم التفات ولا معرفة بوجود بحوث تتعلّق بهذه المقدّمات أو لوثوقهم بنتائج العلوم الأخرى ، وبين كون يقينهم هذا اجتهادياً بحثياً نظريّاً استدلاليّاً نابعاً عن نظر وحدس وتأمّل ، فمن الممكن أن ندّعي مثلًا أنّهم كانوا على يقين بالمقدّمات ، لكنّ دعوى أنّهم كانوا مجتهدين في تمام المقدّمات بعيدة ، كيف ويلزم منه أن يكون جميع فقهاء عصر الأئمة متكلّمين وعلماء قرآنيات ورجال وحديث وتاريخ وغير ذلك ! فهذه الطريقة في المناقشة غير واضحة .
ولبيان موقفنا هنا ، نقدّم محاولة أوّليّة لتحليل الموقف ، ثم نذكر ما هو التحقيق :
أمّا المحاولة ، فحاصلها أنّ المعيار هنا هو العرف العقلائي ، المصحّح لإطلاق عنوان الفقيه أو المجتهد أو أهل الخبرة في الفنّ الفلاني على زيد أو عمرو ، وما نفهمه من هذا المعيار العقلائي المصحّح للوصف هو القول : إذا كان بحثٌ ما أصلًا موضوعاً ومقدّمةً بعيدة ، لم يلزم على المجتهد في الفقه أن يكون مجتهداً في هذا البحث ، كما في نسبة علم المنطق والفلسفة وأصول الكلام والعقائد لعلم الفقه ؛ لصدق عنوان الفقيه بدون أغلبها ، فإنها تقدّم أصولًا موضوعة بعيدة عن عمل الفقيه ؛ أما ما يتصل بالمقدّمات القريبة بحيث يقال عرفاً : إنّ الوصول إلى هذه النتيجة والبحث في هذه النتيجة يستدعي البحث في هذه النقاط تلقائيّاً ، فهنا تكون هذه النقاط داخلةً في العمليّة الاجتهاديّة .
وهنا نسأل : هل علم الرجال من مقدّمات علم الفقه القريبة ومن وظائف الفقيه ، بحيث لا تصدق الخبرة في الفقه على من لا يملك نظراً في الأسانيد ، أو أنّه من مقدّمات هذا العلم البعيدة بحيث يشرع علم الفقه بعد الفراغ عن نتائج علم الرجال ، كي يتلقّاها
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 84
مساهمون: حيدر حب الله
ص٨٤