من هنا ، يجب النظر في العمليّة الاجتهادية ، بما يحقّق وصف الخبرويّة فيها ؛ فإذا صحّ كلام صاحب الجواب الأوّل هنا ، فلماذا لا يكون تقليد المحمّدين الثلاثة في توثيق الروايات أساساً نعتمد عليه ، ونسدّ به باب البحث في الأسانيد ؟ ولعلّه يقبل بذلك .
ثالثاً : ما ذكره بعض المعاصرين ، من أنّ المستند في شرعيّة الرجوع إلى الفقيه الذي يأخذ بعض مقدّمات بحوثه تقليداً من غيره كالرجاليّين ، ليس سوى أحد أمرين :
أ - إطلاق النصوص الشرعيّة الشاملة له ، مثل عنوان : نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا ، بحيث يصدق عليه هذا العنوان ولو كان مقلِّداً في بعض المقدّمات ، ومن ثم يجوز تقليده ويُحكم باجتهاده .
إلا أنّ ذلك غير صحيح بهذا المقدار ؛ فإنّ النصوص الشرعيّة إذا كانت واردةً في مورد الحكم العقلي أو العقلائي لم ينعقد لها إطلاق لغير الدائرة التي جرى عليها الحكم العقلي أو العقلائي ؛ ومن ثمّ لزم النظر في البناء العقلائي هنا لمعرفة دائرة الإطلاق في مثل هذه النصوص ، ولا يكفي إطلاقها البدوي الساذج .
ب - قيام الارتكاز العقلائي على رجوع الجاهل إلى العالم الذي من هذا النوع أيضاً ، ومن ثمّ فتكون النصوص الشرعيّة مرشدةً لمثل هذا الارتكاز .
ويُجاب بأنّ الثابت من حجيّة السيرة العقلائية هو تلك السيرة التي تقع في عصر النصّ لا مطلقاً ، بما في ذلك ما يستجدّ من السير في العصور اللاحقة ، ولو راجعنا السيرة العقلائية هنا في عصر النصّ لوجدنا أنّ العلماء ما كانوا يتّكلون على بعضهم ، بل كان الواحد منهم في العلوم المختلفة يجتهد في كلّ المقدّمات التي تتصل بموضوعه ، ليصل إلى نتيجة نظره ، ومن ثمّ فهذا المقدار من السيرة الناظرة إليه النصوص الشرعيّة في المقام ، لا يكفي للسير الحادثة بعد تطوّر العلوم وتكثّر الاختصاصات من رجوع المختصّين لبعضهم في بعض الأمور .
وعليه ، فأساس هذا التمييز بين الفقه والأصول من جهة ، وسائر العلوم الأخرى من جهة ثانية غير صحيح ، فلا يصدق عنوان المجتهد على شخص لم يجتهد في جميع المقدّمات
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 82
مساهمون: حيدر حب الله
ص٨٢