غير الثقات ، بل إنّني لا أنقل عن مطلق الثقة ، وإنّما عن خصوص الثقة المعروف في الأوساط الحديثية ؛ كي يكون كتابي مورد قبول المدارس والاتجاهات الحديثيّة القائمة التي قد يعرف بعضها المغمور وقد لا يعرفه آخرون ، فيثيرون حوله التساؤل حتى لو كان عندي رجلًا ثقةً ، وبذلك يكون ابن قولويه قد وضع خاصيتين لرواة كتابه : الوثاقة ، والمعروفيّة ، وهذا تماماً مثل ما فعل الشيخ الصدوق في مقدّمة كتاب الفقيه ، حيث نصّ على أنّه ينقل عن الكتب المشهورة المعروفة « 1 » ، فالشهرة ذات دور أيضاً في قيمة الرواية المنقولة وليست الوثاقة هي صاحبة الدور الوحيد لا سيما على طرق المتقدّمين ، بل قد يقال بأنّ كون الرجل شاذاً بهذا المعنى يجعله مشوباً بعدم الوثاقة ، فكأنّ الشذوذ نفسه نوع طعنٍ في الرجل ، فلا يصحّ أن يقال فيه كيف لا يروي عن الشاذ وهو ثقة ؟ ! « 2 » .
وأمّا القول بأنّ المعاريف قلّة فهذا غير صحيح ؛ فلا يقصد هنا من المعاريف أشهر الرواة على الإطلاق ، بل الرواة الذين تداول اسمهم في الأوساط ، لا مثل راوٍ لا يعرفه إلا شخص أو شخصان في مدرسة حديثيّة بعيدة جغرافيّاً عن الحواضر العلميّة ، ولا تتردّد روايته ولا اسمه في كتب المحدّثين وطرقهم .
وعليه يمكن القول بأنّ ابن قولويه تعمّد اختيار المشهورين إلى جانب عنصر الوثاقة ، ويمكن الجمع بين هذا المعنى وبين النتيجة النهائية في تفسير المقطع الثاني ، بحيث يكون المحصّل : إنّني لا أروي إلا عن الثقات ، كما لا أروي إلا عن المشهورين المعروفة أحاديثهم « 3 » ، نعم قد أروي عن غير المشهورين بالعلم والحديث شرط أن يكون هؤلاء قد
هامش
( 1 ) انظر : الصدوق ، كتاب من لا يحضره الفقيه 1 : 3 .
( 2 ) ليس غرضنا تبنّي هذا التفسير ، بقدر ما نهدف لنقد الإثارة التي قالت بأنّه لا يُعقل أن لا يروي عنه وهو ثقة ، فتأمّل جيداً .
( 3 ) أطلق الشاذ على الشخص غير المعروف حديثه بين المحدّثين في بعض المواضع ، فانظر : ضعفاء العقيلي 1 : 213 ، وأطلق على من له رواية تخالف رواية الثقات ، فيقال : شذّ عنهم ، فانظر : الجرجاني ، الكامل 1 : 115 .