نعم ، في النصّ الثالث للكشي ورد التعبير التالي : « وأقرّوا لهم بالفقه والعلم » ، وهي قد تعمّم إلى ما هو خارج إطار الفقه ، مع أنّ في هذا النصّ ورد الحسن بن علي بن فضال وعثمان بن عيسى .
يضاف إلى ذلك أنّه لم يبلغنا - ولو في موضعٍ واحد - أنّ الطائفة عملت ولو بفتوى واحدة لزرارة أو فضالة أو غيرهما ، فلو صحّ أنّ هناك إجماعاً على هذه القضيّة لكان يفترض ظهوره وبروزه في كلمات المرتضى والمفيد والطوسي والصدوق وغيرهم ، إلا إذا اعتبرنا فقاهتهم في دقّة رواياتهم فيرجع لضرب من التصحيح بملاحظة الرواية ، أو قلنا بأنّ الإقرار والانقياد لهم بالفقه ليس معناه التقليد والرجوع لاجتهادهم وتداول آرائهم ، بل الاعتراف بعلمهم فقط .
رابعاً : ما نراه الجواب الأفضل ، وهو أنّ السياق الفقهي الذي يُذكر لصالح هذا الاحتمال في تفسير نصوص الكشي وإن كان صحيحاً ، إلا أنّه لا يلغي ظهور عبارة الكشي - محلّ الشاهد - في إفادة مطلب جديد ذكره الكشي لمزيد فائدة .
بل يمكننا أن نذكر قدراً من العلاقة الوطيدة بين الفقه والرواية في تلك الأيام ؛ لأنّ الفقه كان فقهاً روائياً ، فقيمة الفقه آنذاك في أنّ الراوي قادر على فهم المراد ، وإذا نقل بالمعنى - كما هو كثير - ينقل بدقّة ، ولهذا قلنا في مباحث النقل بالمعنى أنّه كلّما كان الراوي عالماً بمضمون ما يروي فيه ارتفع الوثوق بدقّته في النقل ، بخلاف غيره فقد لا يلتفت إلى دور بعض القيود والملاحظات .
والنتيجة : إنّ هذا الاحتمال في تفسير كلام الكشي غير ظاهر في الحصر ، ولو سلّمنا فهل لإجماع الكشي قيمة ؟ إنّ غايته أنّ أهل البيت أرجعوا شيعتهم إلى هؤلاء الفقهاء ، وهذا ما حصل بالفعل ، فالروايات تشير إلى إحالة الأئمّة لهم والإرجاع إليهم لمن لا يتمكّن من الوصول إلى الأئمة ، فلعلّ الشيعة فهموا مرجعيّة هؤلاء ، وهذا ما حكاه الكشي ، وليس للقضية ربط بحجيّة فتاواهم إلى يومنا هذا ؛ لأنّ غاية ما يُفهم من أهل البيت الإرجاع إليهم بالنسبة للشيعة في ذلك الزمان لا مطلقاً ، فالإجماع محتمل المدركيّة .
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 457
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٥٧