وأثبتنا ما ذهب إليه غير واحد من العلماء ، من تغاير الاصطلاح بين المتقدّمين والمتأخّرين « 1 » ، فلا يرد ما ذكره المحدّث النوري هنا « 2 » .
المناقشة الثانية : إنّه إذا صحّ هذا الاحتمال في تفسير كلام الكشي فلا يُثبت قاعدةً رجاليّة كما قلنا ، كما أنّه لا يثبت القاعدة الحديثيّة ؛ لأنّ غاية ما هنالك أنّ المتقدّمين حصل لهم اليقين بصدور هذه الأخبار عن النبي وأهل بيته ؛ لمجموعة قرائن ، وحيث إنّنا لا نعلم بهذه القرائن ، فلو عرضت علينا لربما ناقشنا فيها ، وكم من أمرٍ ذكروا مبرّرهم فيه ، ثم عدل عنه المتأخّرون ، ومجرّد كونه من المتقدّمين لا يدلّ على صحّة استنتاجهم دوماً بعد الفراغ عن حسن الظنّ بهم ، لكنّ حسن الظن شيء والتعبّد بما قالوه شيء آخر ، ولهذا فإنّ الشيخ الصدوق رغم إفتائه على وفق روايات كتاب الفقيه ، لا يكون تصحيحه لهذه الروايات حجّة على الفقهاء إلى يوم القيامة ، واستدلال الفقهاء المتقدّمين بهذه الرواية أو تلك لتصحيحهم لها وفق مصطلح الصحيح القديم لا يوجب إلزامنا بالأخذ بهذه الرواية ، نعم يكون ذلك قرينة على الوثوق بها ، وليس مُلزماً نهائيّاً لتكوين قاعدة حاسمة في هذا الإطار ، تطال آلاف الروايات .
وهذا يعني أنّ روايات أصحاب الإجماع غاية ما تحظى به - وفقاً لهذا التفسير - هو وجود قرينة نوعية عامّة فيها ، تضيف إليها درجة من القوّة الاحتماليّة الصدوريّة ، وهذا غير ثبوت قاعدة حديثيّة تصحّح جميع رواياتهم في كلّ المواقف .
ودعوى المحدّث النوري بأنّ هذه القرائن اختفت عنّا واضطررنا للذهاب خلف الوثاقة ، ولو أنّها ظهرت لنا لفعلنا ما فعله المتقدّمون من الأخذ بهذه الأحاديث وهم أعرف بحالاتها ، بل نحن يحصل لنا من وثوقهم بصدورها وثوقٌ آخر بالصدور ، وهذا
هامش
( 1 ) انظر : نظرية السنة في الفكر الامامي الشيعي : 186 - 195 . وقد عثرنا بعد تأليف كتاب نظريّة السنّة على قرائن عدّة إضافيّة لتأكيد ما توصّلنا إليه هناك .
( 2 ) انظر : السيستاني ، قبسات من علم الرجال 1 : 151 - 153 .