سبق أن أشرنا إلى أنّ نصّ العدّة يدلّ على المعروفيّة بين الطائفة ، لكنّه لا يشرح لنا بوضوح العمق الزمني لهذه المعروفيّة ، فهل تمتدّ إلى عصر الثلاثة أو الجيل الذي تلاهم أو بعد ذلك ؟ إنّ نصّ العدّة يحتمل ذلك كلّه ، لكنّه لا يعيّنه .
5 - نصّ العدّة ونصّ النجاشي
تقدّم سابقاً نصّ النجاشي ، وهو على صلة وثيقة بموضوعنا ، حيث يقول في ترجمته لابن أبي عمير : « وقيل : إنّ أخته دفنت كتبه في حال استتاره [ الذي كان على ما يبدو أيام الرشيد ] وكونه في الحبس أربع سنين فهلكت الكتب ، وقيل : بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت ، فحدّث من حفظه ، ومما كان سلف له في أيدي الناس ، فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله « 1 » ، وقد صنّف كتباً كثيرة . . » « 2 » .
هذا النصّ - كما تقدّم - يدلّ على أنّ سكون الطائفة لمراسيل ابن أبي عمير كان مقابل اتهامه ؛ والسبب في رفع الاتهام هو ضياع كتبه وعدم حفظه ، وقد بيّنّا سابقاً تفصيل هذه القضيّة ، فلا نعيد .
إنّ هذه الصورة التي يقدّمها نصّ / وثيقة النجاشي هنا ، يرفع جداً من قوّة احتمال الفرضيّة الثالثة سابقاً ، في أنّ الطوسي استنتج من سكون الطائفة لمراسيل الرجل ، أنّه لا يروي إلا عن ثقة ، وسبب ذلك يرجع إلى أنّ الطوسي في بحث الأخبار من كتاب العدّة كانت تهيمن عليه فكرة أنّ الطائفة عملت بخبر الواحد الثقة ، فأراد تفسير كلّ ما صدر عن الطائفة وفقاً لهذا الأساس الذي وضعه ، ولما وصل إلى ظواهر ابن أبي عمير وغيره من
هامش
( 1 ) قد يدّعي شخصٌ - كما سمعنا نقله عن بعض المعاصرين شفاهاً - بأنّ جملة : ( فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله ) ، ليست من كلام النجاشي ، بل ترجع إلى تكملة كلام ( قيل ) الأخيرة ، لكنّ هذا للإنصاف بعيد عن المنسبق العرفي من الجملة ؛ لأنّ القيل كانت كلّها ترجع لسبب إرساله ، لا لعلاقة عمل الأصحاب بإرساله ، وإلا فيلزم إرجاع الجملة الأخيرة : ( وقد صنّف كتباً كثيرة ) ، إلى القيل أيضاً ، وإن كان قول هذا المعاصر ممكناً في نفسه ؛ بل هو لا يضرّنا ، فتأمّل جيداً ، والله العالم .
( 2 ) رجال النجاشي : 326 .