والذي يعزّز فرضيّتنا هذه أنّ عدد الروايات التي وقعت موقع الاستدلال بحيث نعرف أنّ الطائفة اعتمدتها قليل جداً ؛ لأنّ كتب الشيعة القديمة لم تكن استدلاليةً حتى ندرك كم اعتمدوا .
وبناء عليه ، لا ترجع التسوية إلى نكتة خاصّة ، بل إذا حصل من تسويتهم وثوقٌ نوعي لنا بصدور المراسيل ، أمكن الأخذ بها ولو من باب قاعدة الجبر ، حتى لو لم نثبت القاعدة الرجالية هنا ، وإلا لم يكن وجه للتعبّد بما ذهبت إليه الطائفة في تلك الفترة . وهذا كلّه يعني احتمال الحدسيّة في نفس استنتاج الطوسي للمعروفيّة من التسوية . فالمعروف هو التسوية ، والوثاقة منشأ التسوية اجتهاداً عند الطوسي ، لهذا نسب المعروفيّة للوثاقة نفسها .
هذا فيما يخص التسوية ، أمّا فيما يخص الشاهد الثاني في كلام الطوسي ، وهو المعروفيّة ، فبصرف النظر عمّا تقدّم ، نرى المعروفيّة التي شهد بها الطوسي يمكن صدقها باشتهار هذا الأمر في القرن الأخير أو من عام 300 ه - ، ولا تدلّ هذه المعروفيّة على اشتهار هذا الأمر في حياة ابن أبي عمير ( 217 ه - ) أو في الجيل الذي يليه أو الذي يلي الجيل الذي يليه ، وهذا معناه أنّ منشأ المعروفيّة لا يوجد ما يُثبت اتصاله بزمن الثلاثة أو تلامذتهم ، بل قد يكون موقفاً اجتهادياً تبلور تدريجيّاً بعد عصر الثلاثة ، ونحن هنا لا نطرح حدسيّة شهادة الطوسي ، بل حدسيّة منشأ المعروفيّة ، وليس عندنا دليل على تأخّر نشوء المعروفيّة عن عصر الثلاثة ، بل يكفينا عدم كون عبارة الطوسي دليلًا على تقدّم النشوء ، فليلاحظ جيداً .
وعليه ، فمن حقّنا أن نسأل : كيف اجتهدت الطائفة بعد قرن من وفاة ابن أبي عمير في أنّه لا يروي إلا عن ثقة بحيث صار اجتهادهم هذا معروفاً بينهم ؟ وهل هناك ما يثبت اجتهادهم هذا ؟ وهل يحتمل أنّهم أخطؤوا في الاستنتاج فوقعوا على نكتة لا تفيد ما فهموه لكنّه راج عندهم هذا الفهم ؟ وما هو الوجه في حجيّة اجتهادهم هذا ولو كانوا أقرب إلى عصر النصّ وعصر الثلاثة ؟
ونتيجة هذه الفرضيّة هي : حسيّة التسوية ، أمّا المعروفيّة فقد تكون حدسيّةً من الطوسي ، وقد تكون كالتسوية حسيّةً ( وهما حسيّتان بملاحظة الطوسي نفسه ، أي إنّه أدرك
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 423
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٢٣