فعل الثلاثة وغيرهم ذلك ، فلماذا لم ينقل أحد هذا التعهّد المعلن ، حتى الطوسي لم يقل : إنّ الثلاثة تعهّدوا أو أعلنوا تعهّدهم بذلك ، كما نقول نحن اليوم في حقّ النجاشي ، فلا نقول : عُرف النجاشي بأنه لا يروي إلا عن ثقة ، وإنما نقول شهد وأعلن أنه كذلك ؟ !
الصورة الثانية : أن لا يكون الثلاثة قد أعلنوا هذا التعهّد ، وإنّما فُهم من موارد جزئيّة كثيرة رآها التلامذة أنّهم متعهّدون بذلك ، فهنا وإن كان لا معنى للإخبار عن تعهّد الثلاثة ؛ لأنّهم لم يتعهّدوا كذلك ، ولكنّ وجود موارد جزئية كثيرة هي التي كوّنت هذه القناعة أمرٌ يستدعي بطبعه نقل ولو بعض هذه الموارد ولو بطريقة عابرة هنا أو هناك ، مع أنّه لم يُذكر هذا الأمر ، حتى في الكتب التي ترجمت لابن أبي عمير وغيره كالفهرست ورجال النجاشي ورجال الكشي التي من طريقتها ذكر أوضاع الرواة ، فضلًا عن ثنايا الكتب الحديثية والفقهية والكلامية ، فغياب كلّ هذه الموارد الجزئيّة التي تراكمت فكوّنت القناعة عند جيل تلامذة الثلاثة وغيرهم دون أن يبقى منها عين ولا أثر ، هو ما يشكّك في شهادة الطوسي عند الخوئي .
فلنتصوّر شخصاً يقول : إنّ الصدوق عُرف عنه أنه لا يروي عن غير العدل الإمامي الضابط ، ثم نبحث في كلّ الكتب فلا نجد أحداً يذكر هذا الأمر عنه ، إلا العلامة الحلي في كتابٍ أصولي ، مع أنّه ترجمه في كتبه الرجالية ، ولم يشر إلى هذا الأمر فيه ، ألا يحقّ للسيد الخوئي أن يسأل : كيف عرف الحلّي هذا الأمر ، كما سأل كيف عرف الطوسي هذا الأمر وبينه وبين الثلاثة مائتا عام أو يزيد ؟ ! وكلّ الشيعة مبتلون بالرجوع إلى كتب الصدوق يومياً ولم نسمع من أحد منهم مثل هذه الدعوى !
إنّ نقطة إشكال السيد الخوئي ليس في كيفية إبراز ابن أبي عمير لتعهّده ، وإنما في فقداننا هذا التعهّد رغم توافر الدواعي لنقله ، فليلحظ هذا الأمر جيداً .
الجواب الرابع : بصرف النظر عن دعوى الطوسي ، يمكننا بأنفسنا التتبّع في المسانيد ، فإذا وجدنا أنهم لا يروون عن ضعيف نعلم بأن ذلك ليس صدفةً مع كثرة مشايخهم ، فنستنتج أنهم لا يروون إلا عن ثقة ، وأنّ هذا هو العنصر المشترك الذي يفسّر عدم وجود
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 396
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٩٦