تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
أو قيل لي ، ولم يذكر مصدر المعلومة حتى لا ينكشف أمره ، ولهذا كانوا يتوقّفون في الراوية الذي يُكثر المراسيل ويروي عن مجاهيل ، فعندما أكثر ابن أبي عمير من الإرسال كان المفترض أن يثير هذا الأمر تحفّظاً وريبة في كثرة مراسيله ، وأن لا يقبلوا مراسيله ، ولهذا لما تبّين سبب الإرسال لديهم وأنّه التحديث من الحفظ لضياع الكتب التي فيها هذه الروايات مسندةً ، وكان سبباً منطقياً ، لم يتعاطوا بحذر مع مراسيله ، بل اعتبروها مسندةً ؛ لأنّ المفروض أنّها مسندة في كتبه التي تلفت ، ولما كان ابن أبي عمير في نفسه ثقة جليلًا سكنوا إلى مراسيله ، بمعنى اعتبروها مسانيد ، وهذا غير اعتبارها صحيحة السند ، لا سيما - كما يقول النجاشي - وأنّ بعض كتبه ورواياته المسندة كانت موجودة في أيدي الناس ، بما يكشف عن كونه معروفاً بالإسناد قبل ذلك ، فلا داعي للريبة فيها . إنّ نصّ النجاشي هذا دليل واضح في دلالته على أنّ منشأ سكون الشيعة إلى مراسيل ابن أبي عمير كان هذا الأمر ، فلو كان المنشأ أنّ ابن أبي عمير لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة ، بحيث كان هذا الأمر مما تعهّد به أو علم من حاله أو حصل لهم بالتتبّع والاستقراء ، فلماذا عدل النجاشي عن هذا التبرير الواضح الجليّ الأقوى ليعطينا تبريراً آخر ، ويبيّن سبباً عرضياً هامشياً ، وهو تلف كتبه ، وأنّ هذا هو ما دفع الأصحاب كي يسكنوا إلى مراسيله ( وليس أنّ هذا هو سبب وجود مراسيل له فتأمّل جيداً ) ؟ ! فالظاهر أنّ ابن أبي عمير بعد خروجه من السجن كانت له دروس تحديث واسعة في مرحلة جديدة من عمره ، وأنّه كثرت فيها المراسيل ، لكن مع ذلك لم يطعن فيه أحد لعلمهم بمبرّر إرساله ، فيما بعض رواياته المسندة كان موجوداً من قبل بين الناس ، ولهذا وجدنا له اليوم مسانيد ومراسيل . وفي حال من هذا النوع كيف نجعل هذا النصّ شاهداً على صحّة كلام الطوسي إن لم نجعله على العكس كما سيأتي ؟ ولنا صياغة المناقشة بطريقة أوسع وهي : إنّ سكونهم إلى مراسيله يحتمل وجهين : الوجه الأوّل : مبدأ اعتبارها مسانيد كسائر ما بأيديهم من مسانيد ، بصرف النظر عن الصحّة وعدمها ، في مقابل الريب منها ومن صاحبها والشطب عليها بقلم الارتياب .