وهذا التقدير - والذي نراه الأرجح في تفسير عبارة النجاشي - لا ينفع في الاستدلال هنا ؛ لأنّ غايته تنزيلها منزلة المسند ؛ للثقة بصاحبها ومعرفة مبرّرات إرساله التي هو معذور فيها ، وليس كلّ مُسنَدٍ صحيحاً ، حتى لو كان المسند ثقةً .
الوجه الثاني : العمل بها والاعتماد عليها ، وهنا حيث إنّ القدماء يعملون بنظام الوثوق لا بمجرّد الوثاقة ، فهذا يعني أنّهم كان يحصل لهم اطمئنان بصدور مراسيل ابن أبي عمير واقعاً ، بعد علمهم بأنّها مأخوذة من مصادر قبلها ، وعليه فهذا الاطمئنان الآتي من القرائن مشابهٌ تماماً لسكون بعض العلماء المتأخّرين لمراسيل الشيخ الصدوق ؛ فليس هذا منهم توثيقاً لمشايخه ولا للطريق الذي لم يُذكر في الخبر المرسل ، وإنّما هو من باب أنّ ابن أبي عمير لا يروي إلا وهو على ثقة بما يقول ( لا على ثقة بالناقل له في نفسه بالضرورة ) .
وهذا المقدار لا يُثبت وثاقة المشايخ ؛ لأنّ وثوقهم بنقل ابن أبي عمير قد يكون سببه أنّه لا يروي روايةً إلا إذا جاءته من طرق متعدّدة ، أو كان هو واثقاً بصدورها نتيجة القرائن ولو مع عدم ثبوت وثاقة الناقل لديه ، أو لكون الناقل له ثقة أو لغير ذلك ، ومعه فمجرّد سكونهم لا يساوق القاعدة التي ذكرها الطوسي .
والنتيجة : إنّ نصّ النجاشي لا يثبت الدعوى الرجاليّة التي في كلام الطوسي من أنّهم عُرفوا بأنّهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن شخص ثقة « 1 » .
ج - أمّا الشاهد الثاني ، فهو يحتمل أكثر من تفسير ؛ فكما يمكن أن يكون لما ذكره السيّد المددي ، كذا يمكن أن يكون ذلك لأجل إثبات صحّة أنّ لهذا الشخص كتاباً فعلًا ، فعندما يُنقل أنّ لشخص كتاباً ، ويكون الناقل أو الراوي للكتاب شيخٌ جليل ، فهذا يؤكّد نسبة الكتاب لصاحبه ، دون أن يكون النظر لتوثيق صاحب الكتاب .
هامش
( 1 ) لابدّ من الإشارة إلى أنّني بعد أن سجّلت هذا الإشكال في دورتي الرجاليّة الأولى ، رأيته في الدورة الرجاليّة الثانية مذكوراً من قبل الشيخ آصف محسني في الطبعة الأخيرة من كتابه : بحوث في علم الرجال : 230 ، فاقتضى التنبيه .