ثانياً : معرفة الحقّ بالرجال ! متابعة وتعليق
ذكر بعض المعاصرين ، إشكاليةً أخرى على المستوى الأخلاقي والمفاهيمي أمام علم الرجال والسند ، وهي أنّ هذا العلم يتخذ من الرجال طريقاً لمعرفة الحقّ ؛ وذلك أنّه يعتمد على أقوال علماء الجرح والتعديل ، وعلى مواصفات الرواة من الضعف والوثاقة ، الأمر الذي يصادم كلمتين مرويّتين عن الإمام علي عليه السلام ، وهما :
أ - « لا تعرف الحقَّ بالرجال ، اعرف الحقّ تعرف أهله » .
ب - « لا تنظر إلى من قال ، وانظر إلى ما قال » .
وهاتان الروايتان يُعلم بصدور مضمونهما ؛ لثلاثة مبرّرات :
1 - الاتفاق على نقلهما بلا معارض في مصنّفات الحديث عند المذاهب .
2 - عدم منافاتهما للقواعد العقلائيّة .
3 - موافقتهما ما جاء في كتاب الله تعالى : فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ( الزمر : 18 - 19 ) « 1 » .
وعليه ، فمنهج علم الرجال غير متوافق عمليّاً مع الأصول الأخلاقيّة الدينيّة في معرفة الحقّ .
ويمكننا التعليق على هذا الكلام بأمور :
أوّلًا : إنّ هاتين القاعدتين لا شك في صحّتهما عقلائياً في الجملة حتى لو لم يرد فيهما أيّ رواية ؛ لكنّهما تعنيان عدم جعل الرجال معياراً للحقّ ، والقائلون بمنهج السند أو علم الرجال يمكنهم أن يدّعوا أنهم لا يجعلون الرجال معياراً ، وإنما يجعلون الكتاب والسنّة الدالّين على حجيّة خبر الثقة معياراً ، وإنما يفعلون ذلك انسجاماً مع مثل آية النبأ وأمثالها .
وهذا التعليق قد يناقش بأنّه لا شكّ في اعتماد الرجاليّين على مرجعيّة لهم في ذلك ، إنّما الكلام أنّ هذه الروايات هنا تكون معارضةً لدليل الحجيّة ، لأنّ دليل الحجية يمنح قول
هامش
( 1 ) علي حسن مطر الهاشمي ، منهج نقد السند في تصحيح الروايات وتضعيفها : 89 - 91 .