الاجتماعي والديني العام ، ويحمينا من الصور الأسطوريّة التي تُنسج حول الرموز الدينية والسياسيّة والنضاليّة وغيرها ، ويرفع من قدرة الأجيال اللاحقة على وعي التاريخ وعياً علميّاً ، لا سيما في المجتمعات التي يشكّل التاريخ جزءاً كبيراً من وعيها ونمط عيشها كالمجتمعات الإسلاميّة ، فالشخصيّات الكبرى لا تملك نفسها بل يملكها جمهور الناس ، ومن ثم فكشف حقيقتها من دون قصد الانتقاص أو التجريح يمثل تصحيحاً لمسار وعيها وفهمها ، فكم من وعي دينيٍّ وُلِدَ نتيجة صور أسطوريّة عن بعض العلماء بحيث خضع هذا الوعي لمقولات هؤلاء العلماء نتيجة التربية العامّة السورياليّة هذه ، ولو أنّنا قمنا بنقد التاريخ ورموزه بطريقة علميّة وكشف عناصر الضعف والقوّة فيه ، لمكّننا ذلك من تحصيل وعي أفضل وأكثر توازناً حتى لقضايانا الدينية .
وعليه فقانون الأهم والمهم ( والوعي الشمولي للموضوع ) بالشكل الذي عرضناه فيما سبق وبالتقريب الذي بيّناه ، يفرضان علينا الشفافية العالية في التوثيق التاريخي كي نقدّم واقعنا وتاريخنا لأنفسنا وللأجيال اللاحقة بشكل واضح ، شرط أن لا نعيش عقدة كشف النقائص وتصفية الحسابات وإثارة الضجيج واعتماد التسقيط ، ولا وهم تكريس الإيجابيّات وتلميع الصور فقط .
إنّ مجموعة هذه العناصر عندما يتمّ وعيها بشكل فردي ومجتمعي معاً يمكنها أن تساعد على تبرير الرصد أو التوثيق التاريخي الهادفَين إلى نقل الحقيقة ، شرط أن تكون القصود سليمةً لا يراد منها الانتقاص أو محض التجريح ، بل يراد منها تحقيق غاية رساليّة نبيلة مثل تصحيح الوعي التاريخي والمستقبلي معاً ، وشرط أيضاً أن تكون القضيّة المنقولة ذات صلة بهذا التصحيح ، فلو لم تكن ذات صلة وكان فيها انتقاص أو اغتياب لمن لا تجوز غيبته لم يلزم نقلها ، بل قد يحرم ، فليس النقل هنا لشهوة النقل فقط ، بل لصنع وعي تاريخي وزمني اجتماعي عام أفضل وأنضج ويحظى بأولويّة عليا في بناء المجتمعات عامّة .
والنتيجة : إنّ الإشكاليّة الأخلاقيّة الأولى غير واردة على هذا العلم وأمثاله .
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 309
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٠٩