الهجريّة الأولى ، وانتقدوا الكثير منهم في وثاقتهم أو دقّتهم أو ضبطهم أو عدالتهم أو عقائدهم ، بل ظلّوا يتناقلون عيوبهم حتى لو لم يقتنعوا بها ، وبرّروا ذلك بأنّ الستر على العيوب يظلّ أمراً أقلّ أهميّة من تحقيق حال السنّة الشريفة التي يراد بناء الكثير من الدين على نصوصها . وهكذا وجدنا أيضاً أنّ العلماء المسلمين وغيرهم عبر التاريخ قد مارسوا كشف نقاط ضعف بعضهم بعضاً في بحوثهم واستدلالاتهم ، ولم يقل أحد منهم بأنّ بيان خطأ هذا العالم في النقطة الفلانيّة هو كشف لعيبٍ وقع فيه ، بل اعتبروا أنّ تطوّر العلوم الدينية وغيرها وسلامة البحث العلمي في قضايا الدين والمجتمع ، وضمان اكتشاف الحقيقة ، أمورٌ تظلّ أهم بكثير من الستر على زيد أو عمرو في هذه القضيّة العلميّة وغيرها ، وتلاحظ بالدرجة الأولى .
بل نحن نجد أنّ بعض الفقهاء - مثل السيد علي الخامنئي - عندما يُسأل عن انتقاد الشخصيّات التاريخيّة التي لها آثار علميّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة وأصبح أمرها متعلّقاً بعموم المجتمع ، يرى أنّ نقد آرائهم ومواقفهم وأخلاقهم وحتى جزئيّات حياتهم يظلّ أمراً شرعيّاً ما لم يقصد منه محض الانتقاص « 1 » ، بل حتى السيد الخميني نجده يوجّه السيد حميد الروحاني الذي أراد كتابة تاريخ الثورة الإسلاميّة في إيران ويأمره بأن يكتب كلّ الحقائق التي وقعت ولو تضرّر نتيجة ذلك الآخرون ممّن تربطك بهم علاقة ، ليكون التاريخ المدوّن مفيداً للإسلام والمسلمين « 2 » .
وهذه هي مهمّة علم التاريخ ومن دونها يجب إغلاق هذا العلم تقريباً . إنّ الكشف عن الواقع في الرصد التاريخي والمعاصر يظلّ مهمّاً جدّاً على المستوى الحضاري العام ؛ كونه ينقّح صورنا الذهنية عن الشخصيّات والوقائع والمسارات ، ويرفع من مستوى الوعي
هامش
( 1 ) انظر : أحمد أبو زيد ، محمّد باقر الصدر السيرة والمسيرة 1 : 43 ( المقدّمة ) ، نقلًا عن الشهيد الصدر بين أزمة التاريخ وذمّة المؤرّخين : 203 ؛ نقلًا عن صحيفة المبلّغ الرسالي ، العدد 21 - شعبان - 1415 ه - .
( 2 ) حميد روحاني ، نهضت إمام خميني 1 : 11 - 12 .