قضايا الإعلام والصحافة ، تجد أنّ فضح بعض وسائل الإعلام التي يغلب فيها الكذب هو خدمة للمجتمع ، حتى لا يقع فريسةً لها ، رغم أنّ في بعض قولها ما هو صدق .
إنّ بناء العقلاء في حياتهم الاجتماعيّة على كشف الكذّاب إلى الحدّ الذي يحمي المجتمع أو الأسرة من كذبه ، حتى لو كان صادقاً في بعض الموارد ، معناه أنهم يقدّمون حيثية كذبه على حيثية صدقه في بعض الموارد ، بل وهكذا هي حياتهم القضائيّة ، فهم لو جُرح شهود المحكمة أمامهم لا يأخذون بقولهم رغم احتمال صدقهم ، وتضرّر أحد الطرفين أيضاً ، بل يسلبون الاحتجاج بشهادتهم لاحقاً حتى يثبت صدقهم .
وقد يُستأنس لما قلناه من ترجيح احتمال الكذب على احتمال الصدق في التعامل مع الكاذبين ، بقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( النور : 4 - 5 ) ؛ فإنّ رفض شهادتهم إلى الأبد ترجيح لجانب الكذب على جانب الصدق ، وإلا ما تمّ سنّ هذه العقوبة في حقّهم ، وهو إعلان تبنٍّ لهذا البناء العقلائي الذي يقدّم محذور كذب الراوي على محذور ترك ما قاله صادقاً ، وبهذا تحلّ إشكاليّة التزاحم الواردة في الجواب الأوّل .
وهذا هو ما يفسّر :
أ - الوجه الأوّل المتقدم القائم على ملاحظة قانون التزاحم ، فإنّ مرجع هذا الوجه إلى هذا البناء العقلائي الذي يرى بطبعه أنّ الحذر من الأخبار الكاذبة لكاذبٍ أهمّ من الحذر من خسارة بعض أخباره الصادقة .
ب - ويفسّر دعوى الانصراف التي ذكرها الملا علي كني ؛ فإنّ انصراف الأدلّة يُقصد به أنّ العقلاء لا يرون أنّ مثل هذه الموارد التي تحمي المجتمعات من كذب الكذابين مشمولة لهذا الدليل أو ذاك ، فلا يفهمون نصوص الغيبة أنّها شاملة من الأوّل لهذه الموارد التي هي حاجات اجتماعيّة عامّة .
ج - ويفسّر أيضاً قيام سيرة المسلمين على النقد والجرح في الرواة والشخصيّات التي
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 305
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٠٥