تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
من غير المعصوم ؟ هذا يحتاج إلى تحديد دقيق . فليدلّونا على مواضع هذا المفهوم بعيداً عن الحالة العاطفيّة ، فإنّنا لا نجد إلا المصاديق القليلة للغاية لهذا الأمر ، مما لا يمكن من خلاله الاستناد إلى قاعدة تُغنينا عن علم الرجال أو غيره . ويشهد لما نقول أننا لو لاحظنا سيرة العلماء والباحثين خلال ألف عام ، لما وجدناهم يلحظون هذه القاعدة المزعومة ، صغروياً ، إلا في عدد محدود جداً من النصوص كبعض خطب نهج البلاغة أو الصحيفة السجادية أو ما شابه ذلك ، فلو كان استبعاد صدور المضمون من غير المعصوم - على المستوى الصغروي - أمراً له حضوره في ملاحظة النصوص لوجدنا ذلك واضحاً في التجربة العلميّة خلال ألف عام . يُضاف إلى ذلك ، أنّ ذلك قد يتمّ في بعض النصوص الحكمية أو الأخلاقية أو الفلسفيّة أو العلميّة ، أما نصوص قصص الأنبياء أو الإخبار بالمستقبليات أو بالجنّة أو النار أو النصوص الفقهيّة . . فمن أين تحصل المضامين العالية إثباتاً بالنسبة إلينا ؟ فلو قال : تغسل يدك ثلاثاً ، أو في الجنّة شجر كذا وكذا ، فكيف نرصد مضموناً عالياً في هذا الإطار ؟ ! بل يمكنني أن أضيف أيضاً ، أنّ الذي يريد أن يدّعي أنّ هذا المضمون يُستبعد صدوره عن غير المعصوم ، عليه أولًا أن يصول ويجول في كلمات الناس في ذلك العصر ، ليخبُرها ، ثم يأتي إلى كلام الأئمّة مثلًا وينظر امتيازه ، بحيث يستبعد الصدور أو يقرّب الصدور ، وأظنّ أنّ الكثيرين لا يملكون هذه الخاصية ، ممن قضوا عمرهم في الاطلاع - فقط وعادةً - على روايات النبي وأهل بيته ، دون أن ينظروا في مصادر المسلمين وغير المسلمين ، فكم من دعاء بليغٍ رفيع المضمون أتى به بعض المتصوّفة ؟ ! وكم من حكمة خالدة نطق بها بعض الحكماء ؟ ! وكم من فكرة سامية بلغها بعض أهل العلم والتجربة ! فلتُقرأ كتب الناس وكلماتها في ذلك الزمان ؛ ليُعرف مستوى مضمونها ، ثم بعد ذلك يقاس مضمون كلام أهل البيت ليُعرف أنّ هذا النص أو ذاك مما يُستبعد صدوره من غير المعصوم . أما إطلاق الكلام بهذه الطريقة فهذا غير صحيح .
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 289 | حيدر حب الله