كما أنّ الإمام الخميني يقول - معلّقاً على الصحيفة السجاديّة ونهج البلاغة ، في بحوثه في المكاسب ، عند بحث كفارة الغيبة - ما نصّه : « . . حتى في الصحيفة السجاديّة المباركة ، فإنّ سندها ضعيف ، وعلوّ مضمونها وفصاحتها وبلاغتها وإن توجب نحو وثوق على صدورها ، لكن لا توجبه في جميع فقراتها واحدة بعد واحدة ، حتى تكون حجّة يُستدلّ بها في الفقه . وتلقّي أصحابنا إياها بالقبول كتلقّيهم نهج البلاغة به ، لو ثبت في الفقه أيضاً إنما هو على نحو الإجمال ، وهو غير ثابت في جميع الفقرات » « 1 » .
ونجد المحقّق النراقي يجعل آثار الصدق من موجبات جعل الخبر مؤيّداً ، وهذا معناه أنّه لا يرى فيه دليلًا دائماً ، يقول : « وهذا النقل وإن لم نجده لأحد من المعتبرين ، إلا أنّه يلوح منه آثار الصدق ؛ فيصلح للتأييد » « 2 » ، ومثله تماماً الشيخ مرتضى الحائري في مباحثه في الخمس « 3 » .
رابعاً : إن مجرّد صدق المضمون ومطابقته للواقع لا يعني صدق الراوي فيما ادّعى من صدور هذا الكلام من المعصوم ؛ فمن جهةٍ لا دليل على أنّه بالضرورة يجب في كلّ خبر ينطق به الكذّاب أن يكون مضمونه مخالفاً للواقع ، على مستوى نقل القول ، فقد يصدق في بعض أخباره بمعنى أن يأتي بمضامين صحيحة ، فيما يفتري في مضامين أخَر ، حتى لا ينكشف أمره ، ولو كان الكذابون حمقى لعرفهم الناس بسرعة ، وإنما يضمّون الصالح إلى الفاسد ويخلطون بينهما ، وقد ورد في التاريخ والحديث - كما يذكره الباحثون في هذا المجال مثل الشهيد الثاني وغيره - أنّ الكثيرين في التراث الإسلامي كانوا كذابين صالحين ، بمعنى أنّهم كانوا يكذبون لغرضٍ نبيل ، بل نحن نجد في أيامنا هذه ظاهرة الكذابين الصالحين ، الذين يكذبون حتى في وسائل الإعلام ويعلّلون ذلك بالمصالح الكبرى ، لهذا وردت
هامش
( 1 ) الخميني ، المكاسب المحرمة 1 : 481 - 482 .
( 2 ) عوائد الأيام : 722 .
( 3 ) كتاب الخمس : 517 .