تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
ثانياً : ما ذكره الشيخ الداوري أيضاً وتبعه عليه غيره ، من أنّه إذا سُلّم هذا المبنى لزم انسداد باب العلم والعلمي في أكثر موارد الشريعة ، فيُرجع إلى حجّية الظنّ المطلق على الانسداد ، ومن الواضح أنّ البحث الرجالي يساعد على تحصيل الظنّ بالصدور ، فتظلّ القيمة موجودة له « 1 » . ويجاب بأنّ هذا الكلام صحيح في ترتيبه المنطقي ، لكنّ نظرية الوثوق والاطمئنان لا تُفضي إلى الانسداد ، وقد بحثنا ذلك في الأصول ، وقلنا بأنّ ذلك من التهويلات النفسيّة ، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك . ثالثاً : ما هو الصحيح في الجواب من بقاء الحاجة إلى علم الرجال حتى وفقاً لهذه النظريّة ؛ وذلك أنه أثبتنا في الأصول أنّ التواتر والاطمئنان يتأثران بجملة عوامل ذاتيّة وموضوعية ، ومن أبرز هذه العوامل أحوال الرواة ، فإنه إذا أخبرني عشرة أشخاص شُهد لهم بالجلالة والوثاقة . . بخبرٍ ما ، فإنّ سرعة حصول الاطمئنان أو اليقين تكون أكبر في هذه الحال عما لو كان هؤلاء العشرة ممن شُهد عليهم بالكذب والدسّ واختلاق الأخبار ، فصحيح أنّ التواتر يحصل من الأخبار الضعيفة السند ، لكن ذلك لا يمنع من سرعة حصوله المفيد لليقين بشكل أكبر في الخبر التام السند منه في الأخبار الضعيفة السند . فالفارق بين نظريّة حجية خبر الثقة الظني وحجية الخبر الاطمئناني أنّ النتائج الرجالية على حجيّة خبر الثقة تحسم الموقف في التعامل مع الحديث ، فإذا تمّ الحديث سنداً اخذ به ما لم يخالف القرآن أو تقع المعارضة بين الأحاديث ، أما على نظريتنا فإنّ علم الرجال مجرّد مُعين ؛ وذلك أنه إذا ضعّف السند أو اعتبره غير تام تضاءلت فرص حصول الوثوق ؛ لوجود كذابين في السند أو مجاهيل أو مهملين ، وإذا وثق رجاله أمّن لنا خطوة نحو تحصيل الوثوق ، دون أن يحسم الموقف بالضرورة على الطرفين معاً ، وهذه نتيجة هامة في التمييز بين المنهجين على مستوى الاجتهاد الفقهي ، بل والديني في مجال النصوص .
هامش
( 1 ) أصول علم الرجال : 19 - 20 ؛ والسوانح العامليّة : 42 .