3 - الاستغناء بنظرية حجية الخبر اليقيني ، مطالعة نقديّة
ذهب العديد من المتقدّمين من العلماء وجماعة قليلة من المتأخّرين إلى انحصار حجية الأخبار بالأخبار اليقينية المتواترة أو الآحادية المحفوفة بالقرينة القطعيّة ، ومن هنا قد تجعل هذه النظريّة الأصولية الهامة أساساً لإسقاط الحاجة إلى البحث الرجالي والسندي ؛ لأنه ما دامت العبرة بالتواتر واليقين والوثوق ، وليس بوثاقة الرواة وأحوالهم ، فلا معنى لإتعاب النفس بالدراسات السندية ، فالتواتر لا فرق فيه بين صحّة السند وعدم صحّته ، فقد ينعقد تواتر بأسانيد ضعيفة ، وقد لا ينعقد مع أسانيد صحيحة فأيّ قيمة بعد ذلك للبحث الرجالي ؟ !
لكن هذا الكلام قابل للمناقشة ، ونوقش :
أوّلًا : ما ذكره الشيخ الداوري وآخرون ، من أنّ هذه النظرية الأصولية غير صحيحة ؛ لأنّ الحجية ثبتت لخبر الواحد الظنّي الثقة أو العدل ، حتى لو لم يُفد الاطمئنان أو اليقين ؛ وما نسب إلى السيد المرتضى يوجد كلام في نسبته وصحته ، فالأساس غير صحيح « 1 » .
ويجاب بأنّنا درسنا مفصّلًا في علم الأصول هذا الموضوع ، وذلك في كتابنا : حجيّة الحديث ، وتوصّلنا إلى صحّة هذا المبنى ، وهو انحصار الحجيّة في باب الأخبار بالمتيقّن أو الموثوق المطمأنّ بصدوره ، وأما غيره فليس بحجّة إلا في موارد خاصّة قام الدليل على الحجّية فيها بخصوصها مثل البيّنة في كتاب القضاء .
يضاف إلى ذلك ، أنّنا بحثنا مفصّلًا في كتابنا : نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي ، في نسبة هذه النظرية إلى المتقدّمين من الإماميّة وإلى السيد المرتضى ، وتوصّلنا إلى أنّ المشهور بين متقدّمي الشيعة كان هذه النظرية ، إلا الشيخ الطوسي في آخر حياته ، وأنّ العدول الحقيقي عن هذه النظرية صار في القرن السابع الهجري ، فالتشكيك في النسبة أيضاً غير صحيح .
هامش
( 1 ) انظر : الداوري ، أصول علم الرجال : 19 ؛ ودقيق ، السوانح العامليّة : 42 .