منطلقاً حديثيّاً ، وذلك أنّ القاعدة الأصوليّة تقضي بأنّ أيّ خبر يعمل به المشهور يصبح حجّةً ومعتبراً حتى لو كان ضعيفاً من الناحية السندية ، وكذلك أيّ خبر يُعرض عنه المشهور يصبح ضعيفاً لا يُعمل به حتى لو كان تاماً من الناحية السندية ، وهذا معناه أنّنا لم نعد بحاجة لإتعاب أنفسنا في الفحص الرجالي ؛ لأننا ننظر في كلّ رواية تأتينا فنرى هل عمل بها المشهور أو أعرضوا عنها ؟ فإن عملوا بها أخذناها وإن أعرضوا عنها هجرناها ، فأيّ معنى للبحث الرجالي بعد ذلك ؟ !
لكنّ هذا المنطلق للاستغناء عن علم الرجال والقول بعدم الحاجة إليه ، يمكن مناقشته :
أوّلًا : لا يُحرز تحقّق الشهرة العملية أو الشهرة الإعراضية في كلّ الموارد الفقهيّة وغيرها ، إذ في كثير من الموارد لا يتسنّى اكتشاف عمل المشهور تاريخياً ، وفي بعض الموارد يتساوى الفريقان الفقهيّان أو يتقاربان ، فلا تحصل شهرة في مقابل قلّة أو ندرة وشذوذ ، وفي بعض الموارد يحرز فتوى المشهور على وفق رواية ، لكنه لا يُحرز أنّ عملهم كان بها في الإفتاء فربما اعتمدوا على غيرها ، وهذا كثير الحصول على أساس أنّ الكتب الفقهية القديمة قلّما نعثر فيها على أدلّة وبحث استدلالي ، وفي بعض الحالات - كما قال السيد الخوئي « 1 » - تكون المسألة غير مطروحة عند القدماء من رأس حتى ينعقد مشهور عملي أو لا ينعقد ، فلا نجد لهم كلاماً حولها . وهذا كلّه يعني أنّ الأخذ بنظريّتي الوهن والجبر لا يحلّ الموقف في كلّ الروايات .
وقد أورد بعضهم على هذا الكلام الأخير ( كلام السيد الخوئي ) بأنه يكفي أن يعتمد القدماء على الرواية في فرعٍ فقهي ، ثم يأتي المتأخّرون ويعتمدون عليها في فرع آخر ، فهنا وإن لم نحرز اعتماد المتقدّمين عليها في الفرع الثاني إلا أنّه يكفي اعتمادهم في الفرع الأوّل ؛ لأنّ الصدور أمر واحد ، ويكفي عملهم ولو في فرع فقهي لإثبات الصدور ، حتى لو أمكننا الأخذ بفرع آخر من الرواية لم يلتفتوا هم إليه أو لم يطرحوه في زمانهم .
هامش
( 1 ) الخوئي ، معجم رجال الحديث 1 : 21 .