الاستغناء بذلك عن علم الرجال « 1 » .
ثانياً : إذا كانت مثل هذه النظريّات شاملة لكلّ الروايات الموجودة عند الشيعة أو السنّة أو هما معاً ، فإنه لا معنى حينئذٍ لعلم الرجال ، إلا أنّ أصحاب هذه النظريّات أنفسهم لم يقولوا بذلك ؛ وإنما اختلفوا فيما بينهم سعةً وضيقاً ضمن حدود ، فبعضهم قال بحجيّة الكتب الأربعة ، وبعضهم وسّع إلى غيرها من الكتب المعروفة بين الإماميّة ، وفي الوسط السني قول باعتبار صحيحي البخاري ومسلم ، وقد نجد قولًا بتصحيح غيرهما من بعض الكتب إلى جانبهما ، لكنّنا لم نعثر على قول حقيقي بصحّة جميع الروايات على الإطلاق ؛ وبناءً عليه ، فإذا استغنينا عن علم الرجال في دائرة الكتب الأربعة والكتب الستّة مثلًا ، فهذا لا يعني الاستغناء عنه في مجال الروايات الأخرى الموجودة في سائر المصادر الحديثية ، وعددها بالآلاف أو بالمئات ، فنحن بحاجة إلى هذا العلم للنظر في تلك الروايات ، وهذا معناه أن مثل هذه النظريّات تقلّص - لو صحّت - الحاجة إلى علم الرجال ، لكنّها لا ترفعها كلّياً .
ثالثاً : لو فرضنا أنّ أصحاب الكتب الأربعة أو الصحيحين قد صحّحوا رواياتهم ، إما في مقدّمات كتبهم أو غيرها ، لكنّ هذا أيضاً لا يُغنينا عن علم الرجال ، وذلك :
أ - إنّ تصحيح الرواية لا يعني تصحيح الرواة بالضرورة ، كما بحثناه مفصّلًا في موضعه من علم أصول الفقه ؛ لا سيما على مبنى المتقدّمين من علماء الإمامية الذين كانوا يعملون بنظرية الوثوق القائمة على حشد الشواهد والقرائن ، فلا تلازم بين تصحيح الرواية وتوثيق رواتها ، وقد أقرّ بذلك كثيرون ، وسيأتي التعرّض له هنا أيضاً إن شاء الله .
ب - ولو تنزّلنا وسلّمنا بأنّ تصحيحهم للروايات يعني توثيقهم للرواة الواردين في السند ، إلا أنّ هذا لا يُغني عن البحث السندي ؛ لأنّ غايته أننا حصلنا - مثلًا - على شهادة توثيق من الكليني للرواة الواردة أسماؤهم في كتاب الكافي ، أو حصلنا على شهادة توثيق
هامش
( 1 ) انظر : حيدر حب الله ، المدخل إلى موسوعة الحديث النبوي : 311 - 383 .