روايات الراوي ويسبرونها ويتأمّلون فيها ، بمن فيهم المعاصرون للرواة ، وهذا الأمر ممكنٌ لنا اليوم ، بل بطريقةٍ أفضل من بعض النواحي في ظلّ تطوّر التقنيّة المعلوماتيّة الضخمة التي بين أيدينا ، فيمكننا نحن أيضاً أن ننظر في روايات الراوي وفي كلمات العلماء فيه معاً ، ونجتهد ونرجّح لنصل إلى نتيجة ، فإذا كنّا نخالف النجاشي أو مدرسة قم في فهمهما لقضيّة الغلوّ فلنا الحقّ في التوقّف في بعض تضعيفاتهما ، والعكس صحيح ، حيث إذا كنّا نوافق النجاشي أو مدرسة قم ، فمن حقّنا تضعيف محمّد بن سنان وأمثاله لو رأينا رواياته مشحونةً بثقافة الغلوّ التي نعتبرها باطلةً حتى لو وثّقه المتقدّمون الذين لم يعتبروها كذلك . ومن هذا الباب حكمهم على راوٍ مبيّنين السبب في ذلك ، فإنّ من حقّنا النظر في السبب ونقده وتمحيصه والموافقة عليه أو رفضه .
والأمر لا يقف عند حدود روايات الراوي ، بل إنّ حالنا اليوم أحسن من حال بعض المتقدّمين ، فنحن نملك إرثاً ضخماً من الجهود الرجاليّة البحثية والنقديّة والمنهجيّة لم يطّلع عليها المتقدّمون ، فبمقارنة كلمات العلماء مع بعضهم ، ومراكماتهم البحثية في الرواة إلى يومنا هذا ، وبمقارنة كلماتهم مع الوثائق التي يقدّمها لنا علم الحديث والتاريخ والتراجم والسير وتاريخ الفرق وغير ذلك . . قد نتوصّل إلى تحليلات تُفقدنا الوثوق بكلمات المتقدّمين في تشخيص حال هذا الراوي أو ذاك ، أو قد تقوّي وثوقنا بكلامهم .
إنّ قناعتنا - نتيجة مجمل البحوث السابقة - هي أنّ طريقة تقليد القدماء ، فضلًا عن طريقة تقليد المتأخّرين كابن حجر والذهبي والحلّي و . . لا تسمح بها بُنية علم الرجال المعرفيّة ولا مدرك حجيّة قول الرجالي ، فالحقّ هو ما ذهب إليه العديد من العلماء المتأخّرين من فتح باب الاجتهاد في علم الرجال بهذا المعنى ، غايته إن ذلك يحتاج لاستئناف بحوث ضخمة في أحوال الرواة .
والسؤال الأخير هنا : هل يمكن - تبعاً لما تقدّم - أن نحظى باجتهادٍ رجاليّ يقدّم لنا معطيات موثوقة ؟ وكيف ؟
والجواب : إنّ هذا ممكنٌ ، بصرف النظر عن حجم هذا الإمكان وفُرصِه في مرحلة
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 270
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٧٠