تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
تعديل وجرح الناس هل توقّف ولم يعد جائزاً وأنّه كان مهمّة العلماء الماضين فقط ، أمّا اليوم فلا أستطيع أن أجرح شخصاً معاصراً لي ، فعلينا وقف أسلوب الجرح في الناس ؟ وقد كانت المواقف المتفرّقة للشخصيات العلمائيّة السلفيّة وغيرها مطبقة تقريباً على أنّ الجرح والتعديل في الناس ما يزال ساري المفعول وسيظلّ حتى قيام الساعة ، نظراً لما تحتاجه المحاكم والقضاء اليوم من تعديل أو جرحٍ للشهود ، إلى جانب اشتراط العدالة في جملة من الأمور والمناصب ممّا يحيج للتعديل ، إضافة للانحرافات الفكريّة والعقديّة التي طرأت في الأمّة ، والتي تستدعي جرح أصحابها من أهل البدع وغيرهم . وهذا يعني أنّ علم الجرح والتعديل ليس علماً خاصّاً بالرواة ، بل يشمل غيرهم ، فلا داعي للمناداة بإغلاق هذا الباب بعد عصر الرواية . هذا الكلام صحيح من حيث المبدأ ، بصرف النظر عن شروطه وآليّاته ومعاييره ومساحاته ، لكنّه ليس محلّ نظرنا هنا كما هو واضح . الصعيد الثاني : وهو يتناول علم الرجال بالسؤال التالي : هل بعد العصور الأولى صارت معرفتنا بالرواة تقليداً للعلماء الماضين أو اجتهاداً ونظراً في كلماتهم وغير كلماتهم بحيث قد نخالفهم ولو أجمعوا ؟ فإذا كان مجرّد تقليد لهم فهذا يعني أنّ الاجتهاد في علم الرجال إنما هو في الغالب اجتهاد في الوصول إلى توثيقاتهم و . . ومنهج التعامل معها ، مثل : هل وثق القمي رجال تفسيره ؟ هل ثبتت نسخة كتاب ابن الغضائري له حتى نعمل بها ؟ ما هي قواعد تعويض السند ؟ ما هو مدرك حجيّة قول الرجالي ؟ وغير ذلك من الموضوعات . . أمّا لو وثق الطوسي شخصاً بلا معارض فقد انتهى سير النظر الرجالي عند المعاصرين اليوم ، فيلزمهم الأخذ بقول الطوسي ، وعلى أبعد تقدير نقول : يلزمهم العمل بنظر الطوسي في الراوي ما لم يثبت الخطأ فيه . وفقاً لما توصّلنا إليه من البحوث السابقة ، فإنّ النتيجة ليست هي فتح باب النظر والاجتهاد في علم الرجال والجرح والتعديل ، إنّما وجوب هذا النظر ؛ فإنّ المتقدّمين ، بمن فيهم السابقون على القرن الخامس الهجري ، كانوا - كما أسلفنا - ينظرون في الجملة في