باب العلم كما تقدّم تفصيله ، فإشكاليّات الحدسيّة والحسيّة ، والإرسال والإسناد ، والظنيّة ، وعدم إنتاج الحديث الصحيح ، والفساد العقدي في الرجال النقّاد ، وأصالة العدالة وغيرها ، كلّها تترك أثراً ما في قيمة هذا العلم وموقعه ، لكنّها لا تقدر على الإطاحة به بالمرّة كما رأينا ، بل يظلّ علماً مندرجاً في حيّز العلوم التاريخيّة ، التي يمكن - من حيث المبدأ المفروغ عنه سابقاً - الوصول من خلالها إلى يقينٍ أو اطمئنان في الجملة .
فلم يثبت أنّ علم الرجال من العلوم التاريخيّة التي فقدت قيمتها بينما سائر العلوم التاريخيّة معتبرة وذات قيمة علميّة ، أمّا لو قال شخص بأنّ العلوم التاريخيّة في نفسها فاقدة للقيمة ، فهذا بحث آخر لا يتصل بعلم الرجال فقط ، بل يشمل مختلف العلوم ذات الطابع التاريخي ، كعلوم الحديث والرجال والتراجم وكثير من علوم القرآن وغير ذلك .
ثانياً : إنّ انتهاج مسلك العلم واليقين والاطمئنان في باب الرجال ، يُلزمنا بعدم الاستعجال في ادّعاء تحصيل العلم واليقين من المعطيات المتوفّرة فيه ، بل الأداء الموضوعي في البحث العلمي عامّة ، والخصوصيّات العشرة المتقدّمة التي تحفّ هذا العلم وغيرها ، ذلك كلّه يستدعي التريّث ، والاشتغال على تأسيس منهج جمع القرائن والشواهد والمعطيات في هذا الباب . أمّا أنّ عالماً من علماء الرجال وثّق - بتوثيقٍ خاصّ أو عام - شخصاً غير معاصر له ، فهذا في العادة لا يوجب العلم والاطمئنان بوثاقة هذا الشخص ، بعد جملة العناصر السابقة وغيرها .
علم الرجال من منطق الدليل إلى نظام القرينة ، تحوّل في المنهج
وباجتماع هاتين النتيجتين ، يحدث تحوّلٌ كبيرٌ جداً في منهج البحث في علم الرجال ، يميّز نظريّة الاطمئنان عن غيرها من النظريّات التي تقدّمت ، وهو تحوّل كلّ مفردة من المعطيات الرجاليّة من دليلٍ إلى قرينة ، ومن برهانٍ إلى شاهد ، فلم يعد قول الطوسي أو البخاري أو ابن حجر أو الحلّي ، دليلًا علميّاً على وثاقة الرجل أو ضعفه ، بحيث بمجرّد وجوده ينتهي الموقف بالضرورة ، بل هو قرينة علميّة تقف لصالح وثاقته أو ضعفه أو غير ذلك .