المهم في درجة الاعتماد والوثوق بكلام شخص ، وإنّما عنصر المنهج والخبرويّة والدقّة وسعة الاطلاع أيضاً ، وهذا ما يطرحه السيد علي السيستاني ، حيث يقول بأنّ مسلك الوثوق في حجيّة الأخبار يستدعي جملة من المستتبعات ، منها رفض المقولة القاضية بأوثقيّة المصادر الحديثية السنّية على المصادر الحديثية الشيعية ؛ نظراً لأقربيّتها لعصر الرسالة ، ويدعو إلى استبدال ذلك بدراسة تاريخ تدوين الحديث عند السنّة ومنهجهم في ذلك ، وهو ما يؤدّي عنده إلى الخروج بنتائج عكسيّة « 1 » .
فليس المهم أنّ الصدوق ( على قول ) والمفيد والمرتضى وابن البراج وابن زهرة والطبرسي والحلبي والحمصي وابن الجنيد وابن أبي عقيل وغيرهم ، يعيشون في القرون الهجريّة الأولى ، بقدر ما المهم الكشف عن خبرويّتهم واشتغالهم على هذه العلوم ، حتى تكون معلوماتهم موفّقة ، ومن مصادر معتمدة ، بما يرفع درجة الوثوق بكلامهم ، أمّا لو لم يكونوا مشتغلين على هذا الخطّ المعرفي ، وقدّموا مساهمات محدودة جداً ؛ وعلمنا أنّ اشتغالهم كان في علوم الكلام والفقه ونحوها ، مع بناء مشهور المتقدّمين على تصحيح الأخبار بملاك الوثوق لا بملاك الوثاقة ، فمن الطبيعي هنا أن يترك ذلك أثراً على درجة حصول الوثوق من كلامهم ، لا بمعنى التصديق والتكذيب ، فهم من الثقات الأجلاء ، وإنما بمعنى الإصابة وعدمها في تقويماتهم ؛ لأنّنا نتكلم في القوّة الاحتمالية لإفاداتهم في القضايا الرجاليّة .
وهذه الإشكاليّة تسري بعينها إلى العديد من الشخصيّات في المذاهب الأخرى ، ممّن لا يُعرف باشتغاله على علم الرجال والفهارس والحديث ، كعدد من العلماء مثل أبي حنيفة والشافعي وبعض شيوخ علم الكلام عند المعتزلة والأشاعرة والشيعة وغيرهم ، فالكلام هو الكلام .
هامش
( 1 ) السيستاني ، الرافد في علم الأصول : 25 ؛ وانظر كتابنا : مسألة المنهج في الفكر الديني : 364 - 367 .