تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
وأمّا الحديث عن خفاء قرائن الجمع علينا بين كلام الطوسي ، فهذا يصحّ في الجمع بين كلام المعصوم ، أمّا في غيره فهذا ربطٌ للأمور بصرف الاحتمال وبالتعليق على الغيب القائم على حُسن الظنّ ؛ وإلا فلماذا لا يُقال هذا الكلام في كلّ اضطراب أو تعديل في الرأي عند أحد من علماء الأديان ، ونقول : ربما هناك شيء خفي علينا ! على أنّ احتمال خفاء قرائن الجمع لا ينفي احتمالًا وجيهاً في حصول الاشتباه والغفلة والنسيان عنده ، فما هو المرجّح ؟ نعم ، في بعض الحالات تكون هناك مبرّرات متوفّرة لطرح هذه الفرضيّة هنا أو هناك ، ولا مانع من ذلك ، أما إطلاقها بهذه الطريقة فقد لا يكون أمراً علميّاً أبداً ، علماً أنّ خفاء قرائن الجمع لا يغيّر من واقع الحال شيئاً ؛ لأننا في نهاية المطاف أمام اضطراب في الكلام لم يرتفع بصرف النظر عن وجود رافع له في ذهن الشيخ الطوسي نفسه ، ونحن إنّما نتعامل مع تراث الشيخ الطوسي وقيمته العلميّة . وأما الحديث عن وجود أزمة نُسخ في عموم كتب الشيخ ، فهذا أمرٌ معقول في الجملة ، وله بعض الشواهد في علم الرجال ، كما تقدّم ، لكن في كثير من الأحيان يصعب حلّ الأمور بفرضية النُّسخ ، فاضطراب كلام الشيخ ظاهرة لا تختصّ بعلم الرجال عنده ، بل تعمّ غير مجال معرفي في كتاباته ، ومن الصعب جعل كلّ هذا مرجعه إلى أزمة نُسخ ، ولو كان الحال كذلك وإلى هذا الحدّ فنحن نسأل : مع اضطراب نُسخ كتب الشيخ إلى هذا الحدّ ألا يترك ذلك أثراً على قيمة كتبه ؟ ! وأمّا أنّ الشيخ عدل عن آرائه ، ولا ينبغي تفسير ظاهرة الاختلاف في كتبه على أنّها اضطراب ، فهذا أمرٌ معقول في الجملة أيضاً ، لكنّ عدول شخص عن آرائه بهذا الحجم ألا يترك أثراً على تصوّراتنا عن إفاداته ، فلو أنّ شخصاً كان كثير التغيير لرأيه ألا تنخفض قوّة الاحتمال في إفادته ؟ ثم كيف يُفسَّر ذلك بالعدول من قبل من يذهبون إلى أنّ علم الرجال حسيّ وصل بالوضوح والتواتر ، وليس فيه حدس ، فكيف حصل العدول عن الرأي حينئذٍ ؟ ! هذا كلّه يحتاج إلى مزيد تفسير لهذه الظاهرة . وخلاصة القول : نحن لا نحاكم الشيخ الطوسي ، وإنما نحاكم تراثه ، وفي ظلّ وجود