لكن قد يُدافع عن الشيخ الطوسي بأكثر من شكل :
الدفاع الأوّل : إنّ عدم حصول حتى الشكّ من كلمات الشيخ الطوسي دعوى عهدتها على مدّعيها ، فأخبار الكذابين تفيد الشك ، فما بالك بمثل الشيخ الطوسي وهو شيخ الطائفة ، ولو سلّمنا بهذا الاضطراب فهو كالشعرة السوداء على الثور الأبيض ، فلعلّ قرائن الجمع بين كلامه خفيت علينا ، وربما توجد مشاكل في النسخ التي وصلتنا هي التي سبّبت هذا الاضطراب الذي نشاهده اليوم في كتب الشيخ ، بل الشيخ في بعض المواضع من كتبه يشير إلى عدوله عن نظره السابق ، كما في تبنّيه نظريّة الصرفة في كتابه شرح الجمل ، ثم عدوله عنها بعد ذلك مشيراً إليه في كتاب الاقتصاد ، فهذا عدول وليس اضطراباً ، فلا ينبغي التسرّع في التهمة ، خصوصاً مع أمثال الشيخ الطوسي من علمائنا الأعلام « 1 » .
وهذا الدفاع يمكن التعليق عليه بأنّ أحداً لا يُناقش في جلالة الشيخ الطوسي حتى يناقش بهذه الطريقة ، فالطوسي بشرٌ كسائر العلماء البشر ، يمكن أن يُصيب وقد يخطأ أيضاً ، ونحن نملك مبرّرات خطئه ، ولا نتحدّث في الحكم عليه من زاوية العقل العملي وأنّه معذور أو غير معذور ، وإنّما الكلام في الحكم على نتاجه على مستوى العقل النظري ، وأنّه ما هي قيمته العلميّة في ظلّ هذا الاضطراب ، فهذا العلامة التستري قد عثر على مئات الأخطاء - من وجهة نظره - في كتاب التنقيح للعلامة المامقاني ، ولهذا ألّف كتاب قاموس الرجال ، ولا يضرّ ذلك - حتى عند التستري - بعلم المامقاني وجلالته ومكانته ، وهكذا مع غيره . . فلا ينبغي الخلط بين هذه الأمور وتسميتها « تهمة » ، أو محاولة تلميع صورة الطوسي ، فإنّ أحداً لا يسعى لتشويهها .
وأما أنّ الخواجوئي ذكر أنّ كلام الطوسي لا يفيد حتى الشك ، فلا أظنّ أنه يريد معنى جدّياً بذلك ، بل هذا الكلام مسوق على نحو المبالغة في التضعيف ، ولست أدري لماذا لم يُلتمس العذر للخواجوئي في تعبيره هذا ؟ ! مع أنّ العذر قريبٌ وملموس .
هامش
( 1 ) دقيق ، السوانح العامليّة : 316 - 317 .