إذا أخذنا بعين الاعتبار الجانب الحدسي في تقويم الرواة ، وأنّ علماء الرجال كانوا ينظرون في الروايات ويحلّلونها أيضاً ويحكمون فيها ؛ فهنا نقف أمام سؤال : ما دام النجاسي ليست له مؤلّفات في أيّ من العلوم الإسلاميّة عدا علم الرجال ، فكيف أثق بقدرته على ممارسة نقدٍ موضوعي ومتني للروايات ، فلعلّه لم يكن خبيراً في علوم الكلام والفقه والأصول - كما سبق أن نقلنا ذلك عن الكلباسي - فضعَّف كثيرين وفقاً لقناعته في قضايا الغلوّ ونحوها ، من منطلق عدم وجود خبرة ، على خلاف الشيخ الطوسي في هذا المجال . ما الذي يمنع مثل هذه الاحتمالات ؟
وأما ما ذكره ابن داود الحلي ( بعد 707 ه - ) عند ترجمته للنجاشي بقوله : « . . مصنّف كتاب الرجال ( ثقة ) لم ( جش / كش ) معظّم كثير التصانيف » « 1 » ، فإنّ هذه الكلمات لا تعطي توصيفاً دقيقاً ؛ لأنّ النجاشي ليس كثير التصانيف ، وقد ذكر هو نفسه كتبه ، وكانت قليلة . أضف إليه أنّ الكشي لم يترجم للنجاشي ، كيف وهو قبله بطبقتين أو يزيد ، فلعلّ حصل خطأ أو تصحيف . فهذا من جملة المدح الذي نجد له نماذج كثيرة في كتب التراجم أو عند التعرّض للعلماء .
من هنا ، نلاحظ أنّ أضبطيّة النجاشي ليست لكونه أعمق أو أهمّ من الطوسي ؛ بل لأنّ كتابه جاء تصحيحاً وتهذيباً لفهرست الشيخ ، وهذا لا يستدعي إطلاق التوصيفات فيه ، نعم كان كوفياً وأكثرُ الرواة من الكوفة ، وهذا يعطيه مزيد اطّلاع كما قالوا « 2 » ، لكنّ هذا يضعه أمام قلّة اطلاع على أحوال رواة نيشابور والريّ وقم وسمرقند والحجاز وسائر الأمصار الإسلاميّة .
بل رغم قولهم بضبطه ودقّته ، عثروا له أيضاً - وهذا أمر طبيعي - على بعض الأخطاء التي وقع فيها ، وستأتي الإشارة إليها ، فلا نطيل فلتراجع « 3 » .
هامش
( 1 ) رجال ابن داود : 40 . ( وفي طبعة أخرى : 32 ) .
( 2 ) سماء المقال 1 : 202 .
( 3 ) راجع - من باب المثال - : سماء المقال 1 : 205 - 212 .