6 - 2 - قيمة جهود النجاشي ، ومتى بدأ اسمه بالظهور
لكي نضع الأمور في صورة واضحة ، فإنّ النجاشي الذي وصفه الكثير بإمام هذا الفنّ وخرّيت هذه الصناعة . . لا نملك صورة دقيقة عنه ، فمن جهة لم يظهر اسمه بشكل حقيقي قبل القرن السابع الهجري ، حيث لم يترجمه الطوسي نفسه « 1 » ، ولا رأينا له ترجمة عند الشيخ منتجب الدين ( 585 ه - ) في فهرسته ، ولا ابن شهرآشوب ( 588 ه - ) في معالم العلماء ، مع أنّهما وضعا كتابيهما لذكر العلماء في القرون الأخيرة ، وإكمال مشروع الشيخ الطوسي وإضافة أسماء العلماء الذين لم يُذكروا في فهرست الشيخ ، ولم يذكُرا أبداً الشيخ النجاشي ، ولا حتى تعرّضا لكتابه في مقدّمة كتابيهما ، مع أنّهما تحدّثا عن فهرست الشيخ الطوسي . نعم ، جاء اسمه مرّات قليلة جداً عند ابن طاوس « 2 » .
وهكذا أيضاً لم نرَ حضوراً لمرجعيّته وعلمه في الرجال عند مثل : ابن البراج ، وابن حمزة ، وابن زهرة ، والطبرسي ، وابن إدريس ، وغيرهم . نعم بدأ المحقّق الحلي يذكره بصورة
هامش
( 1 ) قد يحاول بعضهم أن يلتمس رفعاً للاستغراب في عدم ترجمة الطوسي للنجاشي في كتابه مع تعاصرهما ، وذلك من خلال القول بأنّ كتاب الطوسي تقدّم في التصنيف على كتاب النجاشي ، ولهذا لم يذكره الطوسي ؛ لأنّه لم يكن حين تأليف فهرست الطوسي مصنِّفاً بعدُ ، والمفروض اختصاص الفهرست بالمصنّفين والمصنّفات .
إلا أنّ هذا الكلام غير واضح ؛ فإنّ المعروف أنّ النجاشي قد يكون أسبق ولادةً من الطوسي ، والمعروف بينهم أنّ النجاشي قد توفّي قبل الطوسي بعشرة سنوات ، والمعروف أيضاً أنّ النجاشي له عدّة كتب ، وليس فقط كتاب الفهرست ، وأنّه ألّفها قبل الفهرست ؛ لأنّه يذكرها في فهرسته ، ومن الواضح من كتاب الفهرست للطوسي أنّه ظلّ في تصنيفه حتى أواخر عمره ؛ لأنّه يذكر فيه أغلب كتبه ، فكيف يحتمل أنّه لم يطّلع على تصنيف النجاشي ولو لبعض كتبه فيما بعد عام 430 ه - مثلًا ؟ ! نجد هذا الاحتمال ضعيفاً ، فلعلّ هناك سبباً آخر للقضيّة ، قد يكون وفاة النجاشي في الواقع بعد الطوسي ، وتأخّره في نشر كتبه التي ذكرها في الفهرست ، فلم يطّلع عليها الطوسي ، وهي محض احتمالات ، وسيأتي في الفصل التاسع من هذا الكتاب ما ينفع هنا ، والعلم عند الله .
( 2 ) إقبال الأعمال 1 : 53 ، و 3 : 174 ، 295 .