وبناءً على هذا التفسير لمصطلح ( المجهول ) ، يأتي الكلام بأنّه يكشف عن عدم عملهم بأصالة العدالة ؛ إذ لو عملوا بها فإنّه كان من المفترض بهم في ( المجهول ) أن يعدّلوه بأصالة العدالة ؛ فلمّا لم يعدّلوه كشف ذلك عن عدم عملهم بها .
ولكنّ هذا الاحتمال قد يناقش :
أ - بما ذكره بعض المعاصرين ، من أنّ الطوسي وغيره لم يكونوا يعرفون حال الكثير من الرواة ، فلماذا خصّوا توصيف المجهول ببعض الرواة دون بعض ؟ ! « 1 » .
ب - إنّ هذا التفسير لا ينسجم مع منهجيّة ابن داود في تقسيم كتابه الرجالي ، وهو من المتقدّمين ، فقد قسّم كتابه إلى الممدوحين ومن لم يضعّفهم الأصحاب ، فأورد في هذا القسم 1744 شخصيّةً ، وإلى ذكر المجروحين والمجهولين ، وهناك ذكر 565 اسماً ، فلو كان المجهول هو الذي لم يرد فيه تضعيف ولا مدح ، لزم إدراجه في القسم الأوّل ، وليس في القسم الثاني .
الاحتمال الثالث : ما نرجّحه ترجيحاً في كلمات المتقدّمين على العلامة الحلّي ، وهو أن يكون الشيخ الطوسي والمتقدّمون قد أرادوا من كلمة « مجهول » وأمثالها الشخص المهمل الذي لا نملك عنه أيّة معلومات ، وإنّما ورد اسمه فقط في سند روايةٍ مثلًا ، ونحن لو لاحظنا الأسماء التي مرّت قبل قليل سنجد أنّ الطابع العام فيها أنها أسماء غير معروفة ولا متداولة ، فكأنّ المقصود بإعلان الجهالة فيه أنه نكرة جداً لم يطرحه أحد ، وليس بالرجل الذي نعرف عنه شيئاً ، لا من حيث الوثاقة وعدمها فحسب ، بل من حيث الهويّة وتداول اسمه وما شابه ذلك ، فإذا فسّرت الجهالة عند القدماء بذلك كانت نوع طعنٍ في الراوي من حيث نكارته التامّة ؛ إذ النكارة التامّة قد تشي باختلاق اسمه وكونه شخصيّة غير موجودة أساساً ، لكنّه طعن لا يُسقط توثيقه لو وثّقه عالمٌ آخر ؛ إذ ربما يكون اطّلع على حاله وهويّته وتاريخه الشخصي . ولعلّ انصراف كلمة مجهول - بعيداً عن رواسبنا الذهنيّة -
هامش
( 1 ) انظر : قبسات من علم الرجال 1 : 37 .