يضاف إلى ذلك أنّ الشيخ اعتمد على كلمات الطائفة في التوثيق والتضعيف ، وهذا مما لا إشكال فيه ، إنّما الكلام في أنه هل اعتمد إلى جانب ذلك على أصالة العدالة أيضاً أو لا ؟ فقد يكون ثلث من وثقهم قد قال بوثاقتهم بناءً على أصالة العدالة ، فيما البقيّة قد اعتمد فيه على حدسه وما وصله من كتب ، فأيّ دافع لهذا الاحتمال ؟ !
ومجرّد أنّه أخبر في مقدّمة الفهرست بأنّه سينقل ما قيل في الرجل من جرح وتعديل ، لا يحلّ المشكلة ؛ وذلك أنّ جملةً من توثيقات الطوسي لم ترد في الفهرست ، بل وردت في كتب أخرى - كالرجال وكتب الفقه والحديث - لم يذكر فيها تعهّده بالنقل من كتب السابقين ، كما أنّ ما تقدّم من عدم وفاء الطوسي بما تعهّد به في المقدّمة ، يجعلنا نشكّ في أنّه هل اعتمد تماماً على كلمات المتقدّمين كما وعد أو أخلف وعده في هذا أيضاً كما أخلفه في موارد أخَر من الكتاب نفسه ؟ بل إنّ تعهّده بأنّه سيتقل ما قيل فيه لا ينافي تعديله ولو لبعض قليل من الرواة بمثل أصالة العدالة ؛ إذ هو لم يتعهّد بعدم ذكر إلا ما قيل فيه ، فلا يُفهم منه الحصر وإن فهم منه الغلبة ، فالجزم هنا صعبٌ للغاية .
وأما أنّ الطائفة لم ينقل أنها عملت بأصالة العدالة قبل الشيخ الطوسي ، فهذا صحيح في الجملة ، لكن قد لا يوجد نفي لذلك ، علماً أنّ العلامة الحلي في المختلف نقل عن ابن الجنيد ما نصّه : « كلّ المسلمين على العدالة إلى أن يظهر منه ( منهم ) ما يزيلها » « 1 » . وهو ما نقله عن ابن الجنيد آخرون أيضاً « 2 » . وقد ذكر المحدّث البحراني أنّه نُقل القول بكفاية ظاهر الإسلام مع عدم ظهور الفسق عن الشيخ المفيد في كتاب الإشراف « 3 » .
ووجود أصالة العدالة منذ القرن الثاني الهجري بين المسلمين موضوع مطروح ، حيث نسبت إلى بعض الأحناف كما تقدّم بيانه ، وهو المنسوب إلى ابن حبان البُستي ( 354 ه - ) ،
هامش
( 1 ) مختلف الشيعة 3 : 88 .
( 2 ) انظر - على سبيل المثال - : ذكرى الشيعة 4 : 391 .
( 3 ) الحدائق الناضرة 10 : 18 ؛ والقزويني ، رسالة في العدالة : 24 .