وهنا تظهر إشكاليّة ابن عقدة مرّةً ثانية ، لكن من ناحية أخرى ، فكيف أعرف منهجه ، وهو زيديّ المذهب ؟ فربما اعتمد على خلفياته الفكرية في الحكم على الرواة توثيقاً أو تضعيفاً ، فكيف أقبل بخلفيّاته الفكريّة ويحصل لي وثوق بقوله ؟ وهكذا الحال في ظلّ الاختلافات الكلاميّة الشديدة بين الشيعة في قضيّة الغلو والتقصير في القرنين الرابع والخامس كما نعرف ، خذ على ذلك مواقف مدرسة قم في عهد أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، فضلًا عن الاختلاف بين المسلمين جميعاً . .
هذا كلّه يعني أنّني أضع السنّة النبويّة تحت رحمة قناعات ثلاثة إلى أربعة رجال - أو أكثر - أتقياء ، لكنّهم مجتهدون لديهم رؤيتهم الخاصّة ، ولا يوجد ما يضمن صواب طرائقهم ونظريّاتهم ؛ لا سيما في ظلّ قلّة عددهم جداً ، وأخذ بعضهم عن بعض لو تجاوزنا قلّة العدد ، كما عند أهل السنّة .
كيف يصحّ أن آخذ بقول رجاليٍّ في زرارة وأدع الروايات الذامّة له ؟ ألا يوجب ذلك اختلاف درجة الوثوق ؟ فلو لم يرَ هذا الرجالي هذه الروايات ، لكانت مشكلةً حينئذٍ ، وإذا رآها فمن الطبيعي أنه قدّم تصوّرات اجتهادية لحلّ تعارضها ، فكيف أُلزَم باجتهاداته ليفرض عليّ التعبّد بها ؟ ! وما هو المبرّر لذلك ؟ ! وهل يحصل وثوق في مثل هذه الحالات ؟
والسؤال الأساس : هل يحصل وثوق حقّاً بقول عالمٍ رجالي أو اثنين أو لا ؟
ولعلّ أفضل نظريّة تحلّ هذا المعضل هي نظريّة مدرسة السيد الخوئي التي ترى أنّ أحوال كلّ راوٍ وصلت بالتسلسل من معاصريه وملازميه ومن عاشوا معه ، ممّن عرفوا صدقه أو كذبه ، بصرف النظر عن الاجتهادات . لكن قد تقدّم أنّ إثبات هذه النظريّة في مختلف نصوص ووثائق علم الرجال أو غالبها أمرٌ عسير جداً . بل حتى المعاصرين يمكن أن يمارسوا الاجتهاد بتحليل المتون والقناعات ومقارنتهما للوصول إلى نتيجة بحقّ المعاصر لهم والذي قد لا يكون مشافهاً لهم أو ملاقياً ، فانتبه لذلك جيّداً .
وخلاصة الإشكاليّة : إنّه بعد انهيار نظريّة حجيّة الشهادة وخبر الثقة في إثبات قول الرجالي ، كيف يمكن في ظلّ هذا المشهد أن أحصّل وثوقاً بقول عالمٍ رجالي ؟ أفهل يحصل
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 188
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٨٨