والتعديل ، وإذا راجعنا الطوسي وجدناه لا يُترجم أبا العباس النجاشي إطلاقاً ، مع أنّه زميل درسه عند العديد من المشايخ ، ومن كبار علماء الرجال ، فكيف تجاهله ؟ ولماذا ؟ هذا أمرٌ يحصل أحياناً ، لكنّ النجاشي ترجم للطوسي ، وذكر له كتاب الرجال وكتاب الفهرست « 1 » ، وهنا إمّا أنّ الطوسي نظر إلى كتاب النجاشي وألّف الفهرست في ضوئه ، وهذا ما لا مثبتَ له ، أو أنّ النجاشي الذي صرّح بكتاب الطوسي ، اعتمد عليه وأخذه متناً وأضاف ، وهنا نسأل : كيف يمكن أن ننظر للنجاشي بمعزل عن هذا الحدث الذي تزامن مع عدم ذكره إطلاقاً لتجربة الطوسي في مقدّمة رجاله ، تماماً كما لم يذكر الطوسي تجربة النجاشي في مقدّمة الكتاب ؟ ! ألا يُحتمل أنّ النجاشيَّ اعتمد على الطوسي في الكثير من المعلومات إلا ما خرج بالدليل عنده تماماً كما هي الحال المنسوبة للصدوق في تعامله مع شيخه ابن الوليد ؟ ! ألا يُحتمل أنّ الاثنين معاً أخذا جهود الغضائري وولده ( أعني منها الشفويّة وأمثالها ) ووثقا بهما واعتمدا عليهما ، وأضافا قليلًا هنا أو هناك فيصبحان معاً كالصدوق في تعامله مع شيخه ابن الوليد ؟ !
كيف يمكن الركون للمنهج ونحن نعرف أنّ الروايات لعبت دوراً في حكم علماء الرجال على بعض الرواة ، لا سيما بالضعف ؟ ويكفي احتمال ذلك ، فلعلّ النجاشي كانت له نظريّته الخاصّة في قضايا الفقه والكلام ، وكان يقوّم الرواة وفقها ، كما هي طريقة الوحيد البهبهاني والشيخ النمازي في المتأخّرين ، فكيف أستطيع أن أحكم بضعف أو وثاقة راوٍ وثّقوه أو ضعّفوه آخذين بعين الاعتبار قناعاتهم الخاصّة ؟ وكيف لي الوثوق بخلفيّاتهم الفكريّة التي لا أعرفها عند النجاشي بالتحديد ، لأقوّم الرواة على هذا الأساس ؟ وإذا تركنا النجاشي إلى الجيل السابق ، بدعوى أنّ النجاشي مجرّد ناقل ، فكيف نفهم الأمر مع مثل ابن الوليد وابن فضال وابن نوح وابن شاذان وأمثالهم ؟ ! هل لنا معرفة بنظريّاتهم التي تركت أثراً على مواقفهم ؟ !
هامش
( 1 ) رجال النجاشي : 403 .