د - ما نعتبره - إلى جانب ما تقدّم - الجواب المبنائي الذي حقّقناه في علم أصول الفقه ، وهو أنه لا مانع من الاعتماد على تقويمات غير الشيعة الإماميّة لأحوال الرواة ما دامت الوثاقة محرزة ؛ ما لم يقع خلاف اجتهادي بيننا وبين المعدِّل أو الجارح في عمليّة تقويم الرواة ، كما لو وثق هذا الصحابي أو ذاك انطلاقاً من قاعدة عدالة الصحابة ، ولم نكن نأخذ بها ؛ وهذا مبنى سيّال في جميع المعارف والعلوم ، بل نحن دعونا دوماً إلى أن نقتدي بالطوسي والنجاشي اللذين اعتمدا على غير الشيعة في تقويم الرواة الشيعة وغيرهم عندما وثقوا بهم ؛ فأصل الإشكال غير صحيح ، علماً أنّ مساحة هذه التوثيقات والتضعيفات لا تغطّي كلّ علم الرجال - كما قيل « 1 » - وإن كانت مؤثرةً .
وعلى أيّة حال ، فسوف يأتي البحث - بإذن الله - في هذا الموضوع ، ضمن الحديث عن شروط حجيّة قول المتقدّمين ، وذلك في الفصل الرابع من هذا الكتاب ، وسوف نتكلّم عن ابن عقدة بالخصوص أيضاً .
5 - إشكاليّة الاختلاف في نظريّة العدالة
خضعت مقولة العدالة لدراسة فقهية مفصّلة عند العلماء ، وقد وقعت بعض الاختلافات الفقهيّة تارةً في العدالة ثبوتاً ، وهل هي ملكة أو نفس الاستقامة الخارجيّة بفعل الواجبات وترك المحرّمات ، كما وقع خلاف - تارةً أخرى - في طرق إثبات العدالة ؛ وهنا تعرّضوا لعدّة طرق في الفقه ، سواء في بحث الاجتهاد والتقليد أم في بحث صلاة الجماعة أم في بحث القضاء والشهادات و . .
ومن جملة النقاط التي وقع الاختلاف فيها ، وإن تلاشى هذا الخلاف نسبياً في الفترات المتأخّرة ؛ لاستقرارهم على رأي من الآراء ، كان عبارة عن تحديد الأصل في الذي لا نعرف حاله من المسلمين ، فهل الأصل فيه العدالة ، بحيث نقول : إنّ العدالة تثبت لنا بظهور
هامش
( 1 ) معين دقيق ، السوانح العاملية : 142 - 143 .