لغلبة استعمال الثقة في العدل فينصرف إليه ، أو لأنّ عدم ذكر الفسق معناه العدالة ؛ لبُعد عدم اطّلاعهم على حاله ، أو لغلبة كون الصادق المتحرّز عن الكذب عادلًا فيلحق المشكوك بالغالب ، أو لأنّ طريقة المتأخّرين الأخذ بكلمة « ثقة » في فهم العدالة ، أو لأنّهم يصرّحون بالتوثيق ليُعمل بخبره ، والعمل بالخبر لا يكون إلا مع العدالة . وكذا على الخطّ المذهبي حيث يقال : إنّ الظاهر من الرواة التشيّع ، والظاهر من الشيعة حُسن العقيدة « 1 » .
ونجد بعض المواقف التي تدعم هذا التفسير لكلمة « ثقة » بما يشمل الإمامي العادل الضابط ، فنرى الشهيد الثاني يفسّر إحدى الروايات ويقول : « والظاهر أنّ المراد بالثقة العدل ؛ لأنّه الثقة شرعاً » « 2 » ، ويذكر السيد كاظم اليزدي أنّ الثقة أعمّ من العدل ، لكنّه في اصطلاح أهل الرجال مساوقٌ للعدل « 3 » ، ويحتمل المجدّد الشيرازي أن يكون المراد بالثقة في الأخبار العدل « 4 » .
وقد يناقش هذا الكلام كلّه :
أ - إنّ ما ذُكر من شمول وصف « ثقة » لكلّ متحرّز عن الكذب ضابط يُركن إلى حديثه يمكن القبول به ؛ لمساعدة العرف واللغة عليه ؛ لعدم الأمن ولا الوثوق ولا الاستحكام في خبر غير الضابط .
أمّا إثبات العدالة ؛ لأنّ العادة قائمة على عدم الوثوق بفاعل المعاصي ، ففيه نظر ؛ لأنّ الوثوق بالنقل لا علاقة له بالضرورة بالعدالة ، حيث كثيراً جداً ما نثق بمن ليس بعادل فقهيّاً على مستوى إخباراته ، وليس بالضرورة على سائر المستويات ، فدعوى جريان العادة في عدم حصول الوثوق من الصادق غير العادل ، دعوى يناقضها الوجدان ، وفيها ربطٌ بين الأمور الشرعيّة والأمور العقلائيّة بلا دليل ؛ فإنّ الصدق والكذب شؤون عقلائيّة ينظر
هامش
( 1 ) راجع : المصدر نفسه 2 : 146 - 162 .
( 2 ) مسالك الأفهام 3 : 387 ، و 4 : 36 ؛ وأيضاً : الرعاية لحال البداية : 224 .
( 3 ) اليزدي ، العروة الوثقى 6 : 146 .
( 4 ) تقريرات المجدّد الشيرازي 1 : 169 .