والقول بأنّه في هذه الحال يكون ذكر مذهبهم قرينة على إرادته مجرّد التحرّز عن الكذب من كلمة « ثقة » ؛ لوجود القرينة « 1 » ، تأوّلٌ كبير لا شاهد عليه ، بل يأباه الفهم العرفي في فهم الكلمات وليس مقتَضَياً من اللغة ومعانيها . بل قد يشهد لما نقول أنّ النجاشي ترجم لعمار بن موسى الساباطي الذي لا شكّ في فطحيّته ولم يشر لمذهبه ، ومع ذلك وثّقه « 2 » .
أضف إلى ذلك أنّه لا أصل في كلامهم على إثبات العدالة ، ومجرّد قول كلمة ( ثقة ) لا يدل على التعديل ، كما سوف نبيّن قريباً عند مناقشتنا لكلام العلامة المامقاني ، إن شاء الله تعالى .
وقفة نقديّة مع أصالة الضبط العقلائيّة
وأما الحديث عن أصالة الضبط العقلائية ، التي كان ألمح إليها أيضاً المامقاني « 3 » ، فهي من الأصول التي خلطوا فيها - كالعادة - بين حالات الشك الحقيقي وحالات محض الشك التي ينفي العقلاء فيها الشكّ لمرجعيّة الاطمئنان في حياتهم ، فلأنهم لا يلتفتون إلى محض الاحتمال والشك الافتراضي ، لا يأخذون به ، لا لأنّ هناك أصلًا عندهم اسمه أصالة الضبط . أمّا لو أنّ شخصاً عرفوا بأنه ليس بضابط في نصف أحاديثه أو ثلث أحاديثه بعد الاختبار ، فإذا أخبرهم بحديث هل يُجرون أصلًا يرفع احتمال عدم ضبطه أو يتريّثون ويتبيّنون تبعاً لاهتمامهم بموضوع الخبر ؟
وعليه ، فلا يوجد أصل عقلائي في حالات الشك الحقيقي اسمه أصالة الضبط في الراوي ، بل نحن نعرف أنّ الأصول العقلائيّة ليست تعبديّات ، بل هي ذات كاشفيّة ، وتقوم أساساً على هذا العنصر الكشفي ، فالثقة خبره يفيد الظنّ ؛ لأنّ إخبارات الثقات أغلبها صادق ، أما هنا فهل هناك حالة غالبة في الثقات ( بمعنى الصادقين ) أن يكون
هامش
( 1 ) المامقاني ، مقباس الهداية 2 : 156 - 157 ؛ وانظر : الفضلي ، أصول الحديث : 115 .
( 2 ) رجال النجاشي : 290 .
( 3 ) مقباس الهداية 2 : 148 ، 150 .